محمد الغزالي
305
فقه السيرة ( الغزالي )
وقد نعى القران الكريم على هذا الصنف الجزوع موقفه في معركة الأحزاب فقال : قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ( 16 ) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 17 ) [ الأحزاب ] . وعندما حاولت قريش اقتحام الخندق ، وعندما حاولت احتلال موقع النبي صلى اللّه عليه وسلم وعندما عجمت عود المرابطين تبحث عن نقطة رخوة ؛ لتثب منها إلى قلب المدينة ، كان أولئك المؤمنون الراسخون سراعا إلى داعي الفداء ، يجيئون من كل صوب ، ليستيقن العدوّ أنّ دون مرامه الأهوال . روى ابن إسحاق أنّ عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق ، وكان من أحرز حصون المدينة ، وكانت أمّ سعد بن معاذ معها في الحصن . قالت عائشة : وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب . فمرّ ( سعد ) وعليه درع مقلصة خرجت منها ذراعه كلها ، وفي يده حربته يرقل بها ويقول : لبّث قليلا يشهد الهيجا حمل « 1 » * لا بأس بالموت إذا حان الأجل فقالت له أمه : الحق يا بنيّ فقد - واللّه - أخرت . . فقالت عائشة : فقلت لها : يا أم سعد ! واللّه لوددت أنّ درع سعد كانت أسبغ مما هي . قالت : وخفت عليه حيث أصاب السهم منه ، فرمي سعد بن معاذ بسهم قطع منه الأكحل . ويظهر أنّ جراحة ( سعد ) كانت شديدة ، وليس سعد بالرجل الذي يهاب المنايا ، ولكنّه عميق الرغبة في متابعة الجهاد ، حتى يستقرّ أمر الإسلام وتنكس راية خصومه . فدعا اللّه قائلا : اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها ، فإنّه لا قوم أحبّ إلي أن أجاهداهم من قوم اذوا رسولك ، وكذّبوه وأخرجوه ، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم ، فاجعلها لي شهادة ، ولا تمتني حتى تقرّ عيني من بني قريظة .
--> ( 1 ) أراد به حمل بن سعدانة بن حارثة بن معقل بن عليم بن جناب الكلبي ، كما في ( الروض الأنف ) ، والبعض يصحّفها ( جمل ) بالجيم ، وهو غلط .