محمد الغزالي
297
فقه السيرة ( الغزالي )
غزوة الأحزاب أيقنت طوائف الكفّار أنها لن تستطيع مغالبة الإسلام إذا حاربته كلّ طائفة مفردة ، وأنّها ربما تبلغ أملها إذا رمت الإسلام كتلة واحدة ، وكان زعماء يهود في جزيرة العرب أبصر من غيرهم بهذه الحقيقة ، فأجمعوا أمرهم على تأليب العرب ضد الإسلام ، وحشدهم في جيش كثيف ينازل محمدا صلى اللّه عليه وسلم وصحبه في معركة حاسمة . وذهب نفر من قادة اليهود إلى قريش يستنفرونهم لحرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله ، وكانت قريش قد أخلفت عدتها مع النبي صلى اللّه عليه وسلم عاما ، وهي لا بدّ خارجة لقتال المسلمين ؛ إنقاذا لسمعتها ، وبرا بكلمتها ، وها هم أولاء رجالات يهود يحالفونهم على ما يبغون ؛ فلامكان لتوجّس أو خلاف . والغريب أن أحبار التوراة أكّدوا لعبدة الأوثان في مكة أنّ قتال محمد صلى اللّه عليه وسلم حق ، واستئصاله أرضى للّه ! لأنّ دين قريش أفضل من دينه ! وتقاليد الجاهلية أفضل من تعاليم القران ! وسرّت قريش بما سمعت ، وزادها إصرارا على العدوان ، فواعدت اليهود أن تكون معها في الزحف على المدينة . وترك زعماء اليهود قريشا إلى أعراب ( غطفان ) فعقدوا معهم حلفا مشابها لما تمّ مع أهل مكة ، ودخل في هذا الحلف عدد من القبائل الناقمة على الدين الجديد . وبذلك نجح ساسة اليهود وقادتهم في تأليب أحزاب الكفر على النبي صلى اللّه عليه وسلم ودعوته ، وعرف المسلمون مبلغ الخطر المحدق بهم ، فرسموا - على عجل - الخطة التي يدفعون بها عن دعوتهم ودولتهم ، وكانت خطة فريدة لم تسمع العرب قبلا - بمثلها ، وهم الذين لا يعرفون إلا قتال الميادين المكشوفة . أما هذه المرة فإنّ المسلمين حفروا خندقا عميقا يحيط بالمدينة من ناحية السهل ، ويفصل بين المغيرين والمدافعين . وأقبلت الأحزاب في جمع لا قبل للمسلمين بردّه .