محمد الغزالي

298

فقه السيرة ( الغزالي )

قريش في عشرة آلاف من رجالها ومن تبعهم من ( كنانة ) و ( تهامة ) و ( غطفان ) في طليعة قبائل ( نجد ) . وبرز المسلمون بعد ما جعلوا نساءهم وذراريهم فوق الآطام الحصينة من يثرب ، ثم انتشروا على حدود مدينتهم ، مسندين ظهورهم إلى جبل سلع ، ومرابطين على شاطئ الخندق الذي احتفروه بعد جهود مضنية ، وبلغت عدتهم في هذه المعركة نحو ثلاثة آلاف مقاتل . علم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنّ الالتحام مع هذه الجيوش الضخمة في ساحة ممهدة ليس طريق النصر ؛ فما عسى أن تصنع قلة مؤمنة مكافحة مع هذا السيل الدافق ؟ ! . لذلك لجأ إلى هذه المكيدة ، ويروى أن الذي أشار بها ( سلمان الفارسي ) وتقدم النبي صلى اللّه عليه وسلم رجاله لإحكامها وإنجازها ، فأخذ يحفر بيده ، ويحمل الأتربة والأحجار على عاتقه ، وتأسّى به الرجال الكبار ، ممن لم يألفوا هذا العمل قط ، فشهدت يثرب منظرا عجيبا ، وجوها ناصعة تتألّف منها فرق شتى تضرب بالفؤوس ، وتحمل المكاتل ، وتتعرّى من لباسها وزينتها لتلبس حلالا من نسج الغبار المتراكم والعرق واللغوب . قال البراء بن عازب : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ينقل التراب يوم الخندق حتى اغبرّ بطنه وهو يقول : واللّه لولا اللّه ما اهتدينا * ولا تصدّقنا ولا صلّينا فأنزلن سكينة علينا * وثبّت الأقدام إن لاقينا إنّ الألى قد بغوا علينا * إذا أرادوا فتنة أبينا « 1 » وهذا الغناء من شعر عبد اللّه بن رواحة ، كان المشتغلون في الخندق يزيحون التعب عن أعصابهم بالاستماع إلى نغمه ، وترديد الكلمات الأخيرة من مقاطعه ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يمدّ صوته بها معهم ، فيقول : لاقينا ، أبينا « 2 » ، مما يعيد إلى أذهاننا صور ( الفعلة ) الذين يحفرون الترع بالريف ، أو يبنون القصور بالمدن .

--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه الشيخان في صحيحيهما . ( 2 ) حديث صحيح ، وهو رواية للبخاري عن البراء بن عازب .