محمد الغزالي
289
فقه السيرة ( الغزالي )
الذين لم يعتادوا الخروج قبلا ، ولعلّ ثقتهم بانتصار محمد عليه الصلاة والسلام أغرتهم بالذهاب معه ابتغاء الدنيا لا انتصارا لدين . وانتهى المسلمون إلى ماء يسمى ( المريسيع ) اجتمع لديه بنو المصطلق ، فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عمر بن الخطاب أن يعرض الإسلام على القوم ، فنادى عمر فيهم : قولوا : لا إله إلا اللّه ؛ تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم ، فأبوا ، وترامى الفريقان بالنبل . ثم أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم صحابته فحملوا عليهم حملة رجل واحد ، فلم يفلت من المشركين أحد ، إذ وقعوا جميعا أسرى بعد ما قتل منهم عشرة أشخاص ، ولم يستشهد من المسلمين إلا رجل واحد قتل خطأ ، وسقطت القبيلة بما تملك في أيدي المسلمين « 1 » . ورأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يعامل المهزومين بالإحسان ، فلما جاء الحارث قائد القبيلة المنكسرة يطلب ابنته التي وقعت في الأسر ردّها عليه ، ثم خطبها منه ، وتزوجها « 2 » ، فاستحيى الناس أن يسترقّوا أصهار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأطلقوا من بأيديهم من الأسرى ، فكانت جويرية بنت الحارث من أيمن الناس على أهلها ، فقد أعتق في زواجها مئة أهل بيت من بني المصطلق ! ! . على أنّ هذا النصر الميسّر شابه من أعمال المنافقين ما عكّر صفوه ، وأنسى
--> ( 1 ) رواه بنحوه ابن جرير في تاريخه : 2 / 260 - 262 ، من طريق ابن إسحاق بسنده مرسلا . وكذلك رواه ابن هشام في ( السيرة ) : 2 / 216 - 218 ، وهذا الإسناد مع ضعفه ليس فيه أمر عمر بعرض الإسلام . وقد أشار الزرقاني على المواهب : 2 / 97 لضعف هذه الزيادة ، وحق له ذلك ، فقد صحّ عنه صلى اللّه عليه وسلم ما يقتضي ضعفها ، فقال ابن القيم في ( الزاد : 2 / 158 ) بعد ذكر نحو ما هنا من القتال : « هكذا قال عبد الرحمن بن خلف في سيرته وغيره ، وهو وهم ، فإنّه لم يكن بينهم قتال ، وإنما أغار عليهم على الماء ، فسبى ذراريهم وأموالهم كما في الصحيح : أغار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون . . . وذكر الحديث » . راجع : فتح الباري : 7 / 346 . ( 2 ) هذا غير صحيح ، وقد أشار لذلك ابن هشام في سيرته : 1 / 367 ، فإنه ذكر هذه الرواية بدون إسناد ، وصدّرها بقوله : « ويقال » ، والصحيح أنه صلى اللّه عليه وسلم قضى عنها كتابتها وتزوجها دون أن يخطبها من أبيها فإنها كانت أسيرة كما رواه ابن إسحاق بسند صحيح عن عائشة رضي اللّه عنها ؛ ومن طريقه أخرجه أحمد : 6 / 277 ؛ وابن هشام : 2 / 218 - 219 ، 367 ، وفي حديثها قصة إطلاق الأسرى .