محمد الغزالي

290

فقه السيرة ( الغزالي )

المسلمين حلاوته ، فإنّ خادما لعمر كان يسقي له من ماء المريسيع ازدحم مع مولى لبني عوف من الخزرج ، وكادا يقتتلان على الورود - شأن الخدم الطائشين - ، فصاح الأول : يا للمهاجرين ! وصاح الاخر : يا للأنصار ! واستمع إلى صياح الأتباع عبد اللّه بن أبي - وكان في رهط من قومه - فرأى الفرصة سانحة لإثارة حفائظهم ، وإحياء ما أماته الإسلام من نعرات الجاهلية ، فقال : أو قد فعلوها ؟ نافرونا وكاثرونا في بلادنا ، أما واللّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذل ، ثم أقبل على قومه - ولم تزل له فيهم بقية وجاهة - يلومهم ويحرّضهم على التنكّر للرسول عليه الصلاة والسلام وصحبه ، فذهب ( زيد بن أرقم ) إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم يقصّ عليه الخبر ، وأسرع ابن أبي إلى رسول اللّه يبرئ نفسه ، وينفي ما قاله ! ! . ورأى الحاضرون أن يقبلوا كلام ابن أبي ؛ رعاية لمنزلته ، وقالوا : لعلّ الغلام - يعنون زيد بن أرقم - أوهم ، ولم يحفظ ما قيل . على أنّ الحقيقة لم تفت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، فأحزنه ما وقع ، ووجد خير علاج له شغل الناس عنه ، حتى يعفّي على اثاره ، فأصدر أمره بالارتحال في ساعة ما كان يروح في مثلها ، ومشى بالناس سائر اليوم حتى أمسوا ، وطيلة الليل حتى أصبحوا ، وصدر يومهم الجديد حتى اذتهم الشمس ، ثم نزل بهم . فما إن وجدوا مسّ الأرض حتى وقعوا نياما ! وتابع الرّسول عليه الصلاة والسلام رواحه حتى عاد إلى المدينة . ونزلت سورة المنافقين وفيها تصديق ما روى زيد بن أرقم : يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 8 ) [ المنافقون ] « 1 » . لم يدر بخاطر أحد أنّ هذه الأوبة المتعجّلة سوف تتمخّض عن أكذوبة دنيئة يحيك أطرافها ( عبد اللّه بن أبي ) ثم يرمي بها بين الناس ، فتسير مسير الوباء الفاتك . إنّ هذا الرجل حلف كاذبا بعد أن أنكر مقالته الثابتة ، ولو أنّ الجبان ذهب يطلب النجاة من عقباها ، لكان ذلك أجدى عليه ، لكنّه لم يزدد - على السماح

--> ( 1 ) هذا تمام مرسل ابن إسحاق الذي ذكرته انفا .