محمد الغزالي

288

فقه السيرة ( الغزالي )

غزوة بني المصطلق عندما كان الإسلام دعوة تغالب النظام السائد كانت مخاصمته تتخذ طريق الجهرة والتهجم دون مبالاة ، فلما استقرّ له الأمر ، وتوفّرت لأبنائه أسباب القوة ، سلكت عداوته المسارب التي تسلكها الغرائز المكبوتة ، فأمسى الكيد له يقوم على المكر والدس إلى جانب الوسائل الأخرى التي يعالن بها الأقوياء . وائتمار الضعفاء في جنح الظلام لا يقلّ خطورة عن نكاية الأقوياء في ميادين الصدام ، ؛ بل إنّ المرء قد يألم لإشاعة ملفقة أكثر مما يألم لطعنة مواجهة . وفي الحروب الفاجرة تستخدم جميع الوسائل التي تصيب العدو ؛ وإن كان بعضها يستحيي من استخدامه الرجل الشريف ! . وقد لجأ المنافقون في المدينة إلى مناوأة النبي صلى اللّه عليه وسلم ودعوته بأسلوب تظهر فيه خسة النفس الإنسانية عندما يستبد بها الحقد ، ويغلب عليها الضعف ، أسلوب اللمز والتعريض حينا ، والإفك حينا اخر . وكلّما توطدت سلطة المسلمين ، ورسخت مكانتهم ، ازداد خصومهم المنافقون ضغنا عليهم ، وتربصا بهم ، وقد حاولوا تأييد اليهود عندما تأذّنهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم بالجلاء ، فلما لم يوقف مدّ الإسلام شيء ، ولم تهدّه هزيمة ، وأخذت القبائل العادية تختفي واحدة تلو أخرى ، التحق أولئك المنافقون بصفوف المسلمين ولم تنكشف نياتهم السوء إلا من فلتات الألسنة ومزالق الطباع ، فكانت سيرتهم تلك مثار فتن شداد ، تأذى منها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنون شيئا غير قليل . وظهر ذلك جليا في غزوة ( بني المصطلق ) . فإن الأنباء أتت الرسول عليه الصلاة والسلام بأن هذه القبيلة تجمع له وتستعد لقتاله ، وأن سيدها الحارث بن أبي ضرار قد استكمل عدته لهذا المسير ، فسارع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالمسلمين ليطفئ الفتنة قبل اندلاعها . وخرج مع الرسول عليه الصلاة والسلام هذه المرة جمع من المنافقين ،