محمد الغزالي
285
فقه السيرة ( الغزالي )
يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ ( 2 ) [ الحشر ] . ثم فضح القران مسلك منافقي المدينة ، الذين حاولوا إعانة يهود في غدرها وحربها ، وحرّضوها على مقاتلة المسلمين بما وعدوها من أمداد وعتاد فقال : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 11 ) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ( 12 ) [ الحشر ] . وبهذا النصر الذي أحرزه المسلمون دون تضحيات ، توطد سلطانهم في المدينة ، وتخاذل المنافقون عن الجهر بكيدهم ، وأمكن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يتفرّغ لقمع الأعراب الذين اذوا المسلمين بعد أحد وتواثبوا على بعوث الدعاة يقتلون رجالها في نذلة وكفران . [ الثأر لأصحاب الرجيع وبئر معونة ] : وتأديبا لأولئك الغادرين خرج النبيّ عليه الصلاة والسلام يجوس فيافي نجد ، ويطلب ثأر أصحابه الذين قتلوا في ( الرجيع ) و ( بئر معونة ) ، ويلقي بذور الخوف في أفئدة أولئك البدو القساة ، حتى لا يعاودوا مناكرهم التي ارتكبوها مع المسلمين . وقام النبي صلى اللّه عليه وسلم - تحقيقا لهذا الغرض - بغزوات شتى ، أرهبت القبائل المغيرة ، وخلطت بمشاعرها الرعب . . . فأضحى الأعراب الذين مردوا على النهب والسطو لا يسمعون بمقدم المسلمين إلا حذروا ، وتمنّعوا في رؤوس الجبال بعد ما قطعوا الطرق على الدعوة ردحا من الزمن ، وفي مقدمة هؤلاء : بنو لحيان ، وبنو محارب ، وبنو ثعلبة من غطفان . فلمّا خضد المسلمون شوكتهم ، وكفكفوا شرّهم ، أخذوا يتجهّزون لملاقاة عدوهم الأكبر ، فقد استدار العام وحضر الموعد المضروب مع قريش . وحقّ لمحمد صلى اللّه عليه وسلم وصحبه أن يخرجوا ليواجهوا أبا سفيان وقومه ، وأن يديروا رحى الحرب كرة أخرى ، حتى يستقرّ الأمر لأهدى الفريقين وأجدرهما بالبقاء .