محمد الغزالي

279

فقه السيرة ( الغزالي )

فلما أوثقوه قال : اللهم إنا قد بلّغنا رسالة رسولك ، فبلّغه الغداة ما يصنع بنا . ثم قال : اللهم أحصهم عددا ، واقتلهم بددا ، ولا تغادر منهم أحدا « 1 » ، واستقبل الموت وهو ينشد : ولست أبالي حين أقتل مسلما * على أيّ جنب كان في اللّه مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزّع حزن المسلمون لفقدانهم عاصما وصحبه ، ولمصرع أسيريهم على هذا النحو الفاجع ، فقد خسروا فريقا من الدعاة الأكفاء الشجعان يحتاج إليهم الإسلام في هذه الفترة من تاريخه ، ثم إنّ اصطياد الرجال بهذه الطريقة زاد المسلمين توجّسا وقلقا ؛ إذ إن ذلك المسلك دل على مبلغ طماعية العرب في أهل الإيمان ، واستهتارهم بأرواحهم ، وجرأتهم على النيل منهم دون تخوّف أو محاذرة قصاص ! . [ شهداء القرّاء في بئر معونة ] : ومع أن هذه الواقعة توجب على المسلمين أن يتبصّروا قبل بعث أيّ وفد لنشر الإسلام بين القبائل البعيدة والمجاهل المريبة ، إلا أن ضرورة بثّ الدعوة مهما فدحت الخسائر - جعلت النبي صلى اللّه عليه وسلم ينظر إلى هذه التضحيات على أنّها أمر لا بدّ منه ؛ كالتاجر الذي يتحمّل المغارم الثقيلة حينا من الدهر ، لأنّ الانسحاب من السوق - بغية تجنّبها - قضاء عليه ، فهو يبقى متجمّلا حتى تهبّ الريح من جديد رخاء تعوّض ما فقد ، وذلك سرّ استجابة الرسول صلى اللّه عليه وسلم لأبي براء عامر بن مالك الملقّب بملاعب الأسنّة حين عرض عليه أن يرسل وفدا من الدعاة ينشرون الإسلام بين قبائل نجد . وقد أبدى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم خشيته من أن يصاب رجاله بسوء وسط قبائل ضارية لا يؤمن ذمامها ، فقال أبو براء : أنا لهم جار « 2 » ! ! .

--> ( 1 ) رواه ابن هشام : 2 / 167 - 169 ؛ عن ابن إسحاق : حدثني عاصم بن عمر بن قتادة مرسلا . وهذا سند صحيح لولا الإرسال ، لكن رواه البخاري في صحيحه : 7 / 303 - 308 ؛ وأحمد : 2 / 194 ، 310 ، موصولا من حديث أبي هريرة نحوه وفيه الأبيات الآتية . ( 2 ) رواه ابن هشام : 2 / 174 ، عن ابن إسحاق بسند صحيح مرسلا ؛ وكذلك رواه الطبراني -