محمد الغزالي

280

فقه السيرة ( الغزالي )

وخرج الدعاة من المدينة ، حتى بلغوا ( بئر معونة ) وكانوا سبعين من خيار المسلمين ، يعرفون بالقرّاء ، يحتطبون بالنهار ، ويصلّون بالليل ، ويحيون على هذا النّسق الرتيب من جهاد للحياة ورغبة في الآخرة . فلما أمرهم الرسول بالمسير لإبلاغ رسالات اللّه خرجوا ، وما كانوا يعرفون أنهم - جميعا - يحثّون الخطا إلى مصارعهم في أرض انتشر الغادرون في فجاجها . وحينما انتهى القرّاء إلى ( بئر معونة ) بعثوا أحدهم - حرام بن ملحان - إلى ( عامر بن الطفيل ) رأس الكفر في هذه البقاع ، فأعطاه كتاب النبي صلى اللّه عليه وسلم الذي يدعوه فيه إلى الإسلام ، فلم ينظر عامر في الكتاب ، وأمر رجلا من أتباعه أن يغدر بحامل الرسالة ، فما شعر حرام إلا وطعنة نجلاء تخترق ظهره ، وتنفذ من صدره ، وكأنّ هذه الشهادة المفاجئة لاقت رجلا يتمنّاها من قديم ، فقد صاح حرام على إثر ذلك : فزت وربّ الكعبة ! . ومضى عامر في غشمه ، فاستصرخ أعوانه ، ليواصلوا العدوان على سائر القوم ، فانضمت إليه قبائل رعل وذكوان والقارة ؛ فهجم بهم عامر على القرّاء الوادعين . ورأى هؤلاء الموت مقبلا عليهم من كلّ صوب ، فهرعوا إلى سيوفهم ، يدفعون عن أنفسهم دون جدوى ؛ إذ استطاع الأعراب الهمج أن يغشوهم في رحالهم ، وأن يستأصلوهم عن اخرهم . وكان في سرح القرّاء اثنان لم يشهدا هذه المأساة ، منهم ( عمرو بن أمية الضمري ) ولم يعرفا النبأ المحزن إلا من أفواج الطير المتوحّشة تنطلق نحو المعسكر ، محوّمة حول الجثث الملقاة على الرمل الأعفر ، طاعمة مما تستطيع اختطافه بأظافرها ومناقرها . قالا : واللّه إنّ لهذه الطير لشأنا ، فأقبلا لينظرا ، فإذا القوم مضرّجون في دمائهم ، وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة ! قال زميل عمرو له : ماذا ترى ؟ قال عمرو : أرى أن نلحق برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نقصّ عليه الخبر ، لكنّ زميله كره هذا الرأي ، وكان له بين من استشهدوا صديق حميم يدعى المنذر ؛ لذلك

--> - عن ابن إسحاق كما في ( المجمع ) : 6 / 128 - 129 ؛ ورواه الطبراني أيضا من حديث كعب بن مالك رضي اللّه عنه نحوه ، قال الهيثمي : « ورجاله رجال الصحيح » .