محمد الغزالي

276

فقه السيرة ( الغزالي )

إلا أنّ هذا التفكير تزلزل إثر ما عرفت قريش أنّ المسلمين عبّؤوا قواهم ، وخرجوا يستأنفون القتال . وحار المشركون في أمرهم : أيعودون لحرب لا يأمنون مغبتها ، وربما أفقدتهم ثمار النصر الذي أحرزوه ؟ أم يمضون - لتوهم - إلى مكة ؟ وفي هذه الحال يتحسن مركز المسلمين ، وتخفّ مرارة الهزيمة التي لحقتهم . وقد رأى أبو سفيان أن يغنم الأوبة الرابحة ، وأن يبعث إلى المسلمين من يقذف بالرعب في قلوبهم ، ويخبرهم أن قريشا عادت لاستئصال شأفتهم بعد أن تبيّن لها خطؤها في تركهم . وعسكر المسلمون ب ( حمراء الأسد ) ثم جاءهم دسيس أبي سفيان يغريهم بالعودة إلى يثرب نجاة بأنفسهم من كرّة المشركين عليهم ، وهم لا يقدرون على ملاقاتهم ! . بيد أنّ المسلمين قبلوا التحدّي ، وظلوا في معسكرهم يوقدون النار طيلة ثلاث ليال ، في انتظار قريش التي ترجّح لديها أنّ النجاة بنفسها أولى ، فعادت إلى مكة ، وعاد المسلمون إلى المدينة ليدخلوها مرة أخرى ، أرفع رؤوسا ، وأعزّ جانبا . وفي هذه المظاهرة الناجحة ، وفيمن اشتركوا فيها على ألم الجراح وإرهاق التعب ، وفي ثباتهم على التثبيط واطمئنانهم إلى جانب اللّه ، نزلت الآيات الكريمة : الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 172 ) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ( 173 ) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ( 174 ) [ آل عمران ] . اثار أحد : انتقض على الإسلام كثير ممن هادنه أو داهنه . وبرغم مظهر البأس الذي أبداه المسلمون في مطاردة المشركين حتى ( حمراء الأسد ) ؛ فإنّ هزيمة ( أحد ) كانت أبعد غورا مما يظنون . لقد جرّأت عليهم أعراب البادية ، وفتحت لهم أبواب الأمل في الإغارة على المدينة ، وانتهاب خيرها .