محمد الغزالي
277
فقه السيرة ( الغزالي )
كما أنّ اليهود عالنوا بسخريتهم ، وتركوا وساوس الغش تلحّ عليهم ، وتكدّر سيرتهم مع المسلمين . ومن أصعب الأمور قياد الأمم عقب الهزائم الكبيرة ، وقياد الدعوات بعد الانكسارات الخطيرة ، وإن كان الرجال يستسهلون الصعب ، ويصابرون الأيام حتى يجتازوا الأزمات . وقد جاءت السّنة الرابعة للهجرة والمسلمون لمّا يداووا جراحاتهم في ( أحد ) ؛ إلّا أنّ الأحداث لا تنتظر ، فقد أخذ البدو يتحرّكون نحو المدينة ، يحسبون أنّ ما فيها أصبح غنيمة باردة ، وأول من تهيّأ لغزو المدينة بنو أسد ، فسارع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى بعث أبي سلمة على رأس مئة وخمسين رجلا ؛ ليبغت القوم في ديارهم قبل أن يقوموا بغارتهم « 1 » . ولم يلق أبو سلمة عناء في تشتيت أعدائه واستياق نعمهم أمامه ، حتى عاد إلى المدينة مظفرا ، وأبو سلمة يعدّ من خيرة القادة الذين صحبوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وسبقوا إلى الإيمان والجهاد معه ، وقد عاد من هذه الغزاة مجهودا ؛ إذ نغر عليه جرحه الذي أصابه في أحد ، فلم يلبث حتى مات . وحاول خالد بن سفيان الهذلي أن يحشد الجموع لحرب المسلمين ، فأرسل إليه النبي صلى اللّه عليه وسلم عبد اللّه بن أنيس فقتله « 2 » وهو يجتهد في تأليب القبائل للهجوم على المدينة . وثارت هذيل لرجلها بأن أعانت على تسليم أسرى المسلمين إلى أهل مكة في غزوة الرّجيع .
--> ( 1 ) ذكر هذه السرية ابن كثير في ( البداية ) : 4 / 61 - 62 ، من طريق الواقدي بإسناد له معضل ! والواقدي متروك ! . ( 2 ) رواه أبو داود : 2 / 196 ؛ والبيهقي : 3 / 256 ؛ وأحمد : 3 / 496 ، من طريق ابن عبد اللّه بن أنيس عن أبيه ، وقال الحافظ ابن كثير في ( تفسيره : 1 / 295 ) : « إسناده جيد » ، وقال الحافظ ابن حجر في ( الفتح : 2 / 350 ) : « إسناده حسن » . قلت : وابن عبد اللّه بن أنيس سماه البيهقي في روايته « عبيد اللّه » ، وكأنه تحريف من الناسخ أو الطابع ، فقد أورده ابن أبي حاتم فيمن اسمه « عبد اللّه » مكبرا . وقال : « روى عن أبيه ، وروى عنه محمد بن إبراهيم التيمي » ، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا . وقد روى عنه محمد بن جعفر بن الزبير أيضا ، وهو الذي روى عنه هذا الحديث ، واللّه أعلم .