محمد الغزالي

267

فقه السيرة ( الغزالي )

وو اللّه إنّي لأرجو أن أستشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة ! ! فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أمّا أنت فقد وضع اللّه عنك الجهاد » . وقال لبنيه : « وما عليكم أن تدعوه لعلّ اللّه عز وجلّ أن يرزقه الشهادة » ، فخرج مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقتل يوم أحد شهيدا « 1 » . وقال نعيم « 2 » بن مالك : يا نبيّ اللّه لا تحرمنا الجنّة - وذلك قبل نشوب القتال - فوالذي نفسي بيده لأدخلنها ! ! فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « بم ؟ » قال : بأنّي أحبّ اللّه ورسوله ، ولا أفرّ يوم الزّحف ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « صدقت » واستشهد يومئذ . وقال عبد اللّه بن جحش في ذلك اليوم : اللهم إنّي أقسم عليك أن ألقى العدوّ غدا فيقتلوني ، ثم يبقروا بطني ، ويجدعوا أنفي وأذني ، ثم تسألني : فيم ذلك ؟ فأقول : فيك « 3 » ! . هذه صورة للرجولة الفارعة التي اصطدم بها الكفر أول المعركة واخرها ، فماد أمامها ، واضطربت من تحت أقدامه الأرض ، فما ربح شيئا في بداية القتال ، ولا انتفع بما ربح اخره . وهذا اللون من البطولة مدفون تحت جدران التاريخ الإسلامي القائم إلى اليوم ، وما يقوم للإسلام صرح ، ولا ينكفّ عنه طغيان إلا بهذه القوى المذخورة المضغوطة في أفئدة الصدّيقين والشهداء .

--> ( 1 ) رواه ابن هشام : 2 / 139 ، عن ابن إسحاق ، قال : وحدثني أبي إسحاق بن يسار عن أشياخ من بني سلمة به ، وهذا سند حسن إن كان الأشياخ من الصحابة ، وإلا فهو مرسل . وبعضه في المسند : 5 / 299 ، من حديث أبي قتادة رضي اللّه عنه ، وزاد : فقتلوا يوم أحد ، هو وابن أخيه ومولى لهم ، فمر عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « كأنّي أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة » . وسنده صحيح . ( 2 ) الصواب ( النعمان بن مالك ) ، وفي ترجمته أورد هذا الحديث الحافظ في ( الإصابة ) من طريق السدي . فهو مرسل . ( 3 ) أخرج هذا الأثر الحاكم : 3 / 199 - 200 ، من طريق سعيد بن المسيّب : قال : قال عبد اللّه بن جحش . . . وقال : « صحيح على شرط الشيخين ، لولا إرسال فيه » ووافقه الذهبي . قلت : لكن له شاهد موصول أخرجه البغوي كما في ( الإصابة ) من طريق إسحاق بن سعد بن أبي وقاص : حدثني أبي أن عبد اللّه بن جحش قال . . . فذكره بنحوه وزاد في اخره : قال سعد : « فلقد رأيته اخر النهار ، وإن أنفه وأذنه لمعلقان في خيط » .