محمد الغزالي

268

فقه السيرة ( الغزالي )

من سرّ هذا الإلهام ؟ من مشرق هذا الضياء ؟ من مبعث هذا الاقتدار ؟ إنه محمد صلى اللّه عليه وسلم ! إنه هو الذي ربّى ذلكم الجيل الفذّ ، ومن قلبه الكبير أترعت هذه القلوب تفانيا في اللّه ، وإيثارا لما عنده . [ إصابة النبي صلى اللّه عليه وسلم ] : وقد أصيب هذا النبي الجليل صلى اللّه عليه وسلم في ( أحد ) أصيب في بدنه ؛ إذ دخلت حلقات المغفر في وجهه ، فأكبّ عليه أبو عبيدة يعالج انتزاعها بفمه ، فما خلصت من لحمه حتى سقطت معها ثنيتاه « 1 » ، ونزف الدم - غزارة - من جراحته ، كلّما سكب عليه الماء ازداد دفقا ، فما استمسك حتى أحرقت قطعة من حصير فألصقت به « 2 » . وكسرت كذلك رباعيته « 3 » ، وكسرت البيضة « 4 » على رأسه ؛ ومع ذلك فقد ظل متقد الذهن ، يوجه أصحابه إلى الخير حتى انتهت المعركة . ثم أصيب في أهله ، فقتل حمزة بحربة انغرزت في أحشائه ، وجاءت ( هند ) امرأة أبي سفيان ، فاستخرجت كبده من بطنه ، ولاكتها بفمها ، ثم لفظتها لانفجار المرارة . وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعز حمزة ، ويحبه أشد الحب ، فلما رأى شناعة المثلة في جسمه تألم أشد الألم ، وقال : « لن أصاب بمثلك أبدا ، ما وقفت قط موقفا أغيظ إليّ من هذا » « 5 » بيد أن التسليم للّه لم يلبث أن مسح هذه الأحزان العارضة ، وعاد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتفقد أصحابه ، ويخفّف ما نزل بهم ، ويسكب من

--> ( 1 ) ذكره ابن هشام : 2 / 135 - 136 ، من طريق إسحاق بن يحيى بن طلحة عن عيسى بن طلحة عن عائشة عن أبي بكر ، وقد وصله الطيالسي : 2 / 99 ، فقال : حدثنا ابن المبارك عن إسحاق به ، وكذلك وصله الحاكم : 3 / 26 - 27 ، ووقع في سنده تحريف وقال : « صحيح الإسناد » ، فتعقبه الذهبي بقوله : « قلت : إسحاق متروك » ؛ وكذا قال الهيثمي : 6 / 112 ، بعد أن عزاه للبزار . ( 2 ) حديث صحيح ، أخرجه البخاري : 7 / 298 ؛ ومسلم : 5 / 178 ؛ وغيرهما من حديث سهل بن سعد . ( 3 ) هو من حديث سهل بن سعد المتقدم انفا . ( 4 ) البيضة : الخوذة من الحديد توضع على رأس المقاتل . ( 5 ) حديث لا يصح ؛ ذكره ابن هشام : 2 / 141 ، بدون إسناد ؛ ولم أجده عند غيره ، وقد نقله عنه الحافظ ابن كثير : 4 / 40 ؛ وابن حجر في ( الفتح ) : 7 / 297 ، ولم يوصلاه .