محمد الغزالي
266
فقه السيرة ( الغزالي )
ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ [ آل عمران : 179 ] . فالجبن والنكوص هما اللذان كشفا عن طوية المنافقين ، فافتضحوا أمام أنفسهم وأمام الناس قبل أن تعلن عن نفاقهم السماء . فإذا تجاوزت السفوح التي يدبّ عليها أولئك المنافقون ، وثبت إلى ذرا شامخة للإيمان البعيد الغور ، النقيّ العنصر ، يتمثل في مرحلة الهجوم المظفر الذي ابتدأ به القتال ، ثم في مرحلة الدفاع النبيل الهائل الذي حمل المسلمون عبئه عندما ارتدت الكرة للمشركين ، ورجحت كفتهم . إن الرجال الذين يكتبون التاريخ بدمائهم ، ويوجّهون زمامه بعزماتهم ؛ هم الذين صلوا هذه الحرب ، وحافظوا بها مصير الإسلام في الأرض . روي أن ( خيثمة ) قتل ابنه في معركة بدر فجاء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : لقد أخطأتني وقعة بدر ، وكنت - واللّه - عليها حريصا حتى ساهمت ابني في الخروج ، فخرج - في القرعة - سهمه ، فرزق الشهادة ، وقد رأيت البارحة ابني في النوم في أحسن صورة ، يسرح في ثمار الجنة وأنهارها ، يقول : الحق بنا ترافقنا في الجنة ، فقد وجدت ما وعدني ربي حقا ! ! . ثم قال : وقد أصبحت يا رسول اللّه مشتاقا إلى مرافقته ، وقد كبرت سنّي ، ورقّ عظمي ، وأحببت لقاء ربّي ؛ فادع اللّه يا رسول اللّه أن يرزقني الشهادة ومرافقة ابني خيثمة في الجنة ، فدعا رسول اللّه عليه الصلاة والسلام له ، فقتل ب ( أحد ) شهيدا « 1 » . [ من بطولات الصحابة وتضحياتهم ] : وكان ( عمرو بن الجموح ) أعرج شديد العرج ، وكان له أربعة أبناء شباب يغزون مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلما توجّه إلى ( أحد ) أراد أن يخرج معه ، فقال له بنوه : إنّ اللّه قد جعل لك رخصة ، فلو قعدت ونحن نكفيك ، وقد وضع اللّه عنك الجهاد . فأتى عمرو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : إنّ بنيّ هؤلاء يمنعونني أن أجاهد معك ،
--> ( 1 ) لم أقف عليه الان .