محمد الغزالي

265

فقه السيرة ( الغزالي )

ثم نادى أبو سفيان : إنه قد كان في قتلاكم مثلة ، واللّه ما رضيت ولا سخطت ، وما نهيت ولا أمرت « 1 » . ولما انصرف أبو سفيان نادى : إن موعدكم بدر العام المقبل ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لرجل من أصحابه : « قل : نعم هو بيننا وبينك موعد » « 2 » . عبر المحنة : موقعة أحد فياضة بالعظات الغوالي والدروس القيّمة ، وقد نزلت في أدوارها وحوادثها ونتائجها آيات طوال ، وكان لها في نفس الرسول عليه الصلاة والسلام أثر عميق ، ظلّ يذكره إلى قبيل وفاته ، كانت امتحانا ثقيل الوطأة ، محّض السرائر ، ومزّق النقاب عن مخبوئها ، فامتاز النفاق عن الإيمان ، بل تميّزت مراتب الإيمان نفسه ، فعرف الذين ركلوا الدنيا بنعالهم فلم يعرّجوا على مطمع من مطامعها ، والذين مالوا إليها بعض الميل ، فنشأ عن أطماعهم التافهة ما ينشأ عن الشرر المستصغر من حرائق مروّعة . بدأت المعركة بانسحاب ابن أبي ، وهو عمل ينطوي على استهانة بمستقبل الإسلام وغدر به في أحرج الظروف ، وتلك أبرز خسائس النفاق . والدعوات - إبّان امتدادها وانتصارها - تغري الكثيرين بالانضواء تحت لوائها ، فيختلط المخلص بالمغرض ، والأصيل بالدخيل . وهذا الاختلاط مضرّ أكبر الضرر بسير الرسالات الكبيرة وإنتاجها . ومن مصلحتها الأولى أن تصاب برجّات عنيفة ، تعزل خبثها عنها ، وقد اقتضت حكمة اللّه أن يقع هذا التمحيص في أحد :

--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه أحمد ، والحاكم وصحّحه من حديث ابن عباس ، وإسناده حسن كما تقدم في أول معركة أحد ، وله شاهد من حديث البراء عند البخاري وغيره ، وقد سبق تخريجه قريبا . وشاهد اخر من حديث ابن مسعود أخرجه أحمد رقم ( 4414 ) ، وفيه حمّاد بن سلمة ، عن عطاء بن السائب ، وقد سمع منه حالة الاختلاط كما سمع منه قبلها ؛ ولهذا قال الحافظ ابن كثير ( 4 / 41 ) : « هذا إسناد فيه ضعف » وهذا هو الصواب ، خلافا لقول الشيخ أحمد محمد شاكر : إنّه صحيح ، فإنه ذهل عما ذكر من سماعه منه في الاختلاط . وقد صحّح فضيلة الشيخ كثيرا من الأحاديث في تعليقه على المسند وغيره كلّها من هذا الطريق ، فليتنبه لهذا . ( 2 ) لم أجده الان عند غير ابن إسحاق .