محمد الغزالي
257
فقه السيرة ( الغزالي )
وبين عدوّه » « 1 » . وقال : « قد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم إلا الخروج ، فعليكم بتقوى اللّه ، والصبر عند البأس ، وانظروا ما أمركم اللّه به فافعلوه » « 2 » . ثم خرج في ألف رجل حتى نزل ب ( أحد ) ؛ إلا أنّ عبد اللّه بن أبي انسحب في الطريق بثلث الناس قائلا : ما ندري علام نقتل أنفسنا ؟ ومحتجا بأنّ الرسول صلى اللّه عليه وسلم ترك رأيه وأطاع غيره . فتبعهم عبد اللّه بن عمرو - والد جابر بن عبد اللّه - ينصحهم بالثبات ، ويؤنّبهم على العودة ، ويذكّرهم بواجب الدفاع عن المدينة ضد المغيرين إذا لم يكن لهم إيمان باللّه واليوم الآخر وثّقه بالإسلام ورسوله . فأبى ( ابن أبيّ ) الاستماع إليه ، وفيه وفيمن انسحب معه نزلت الآية : وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ [ آل عمران : 167 ] . عسكر المسلمون بالشّعب من ( أحد ) في عدوة الوادي ، جاعلين ظهرهم إلى الجبل ، ورسم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم الخطة لكسب المعركة ، فجاءت محكمة رائعة ؛ وزّع الرماة على أماكنهم وأمّر عليهم عبد اللّه بن جبير - وكانوا خمسين رجلا - وقال : « انضحوا الخيل عنّا بالنبل ، لا يأتونا من خلفنا ! ! إن كانت الدائرة لنا أو علينا فالزموا أماكنكم ، لا نؤتينّ من قبلكم » « 3 » ! ! وفي رواية قال لهم : « احموا ظهورنا ، إن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا ، وإن رأيتمونا نغنم فلا تشركونا ! » .
--> ( 1 ) رواه ابن هشام : 2 / 126 - 128 ، عن ابن إسحاق عن الزهري وغيره مرسلا ؛ وقد وصله أحمد : 3 / 351 ، من طريق ابن الزبير عن جابر نحوه ، وسنده على شرط مسلم ، غير أن أبا الزبير مدلس وقد عنعنه . ولكن له شاهد من حديث ابن عباس الذي أخرجه البيهقي كما في ( البداية ) : 4 / 11 بسند حسن ، فالحديث صحيح ؛ وقد رواه أحمد أيضا ، رقم ( 2609 ) ؛ والحاكم : 2 / 128 - 129 - 296 - 297 ، وصحّحه ، ووافقه الذهبي ، وهو حديث طويل في غزوة أحد سيأتي بعض فقراته في الكتاب . ( 2 ) ذكره ابن كثير : 4 / 12 - 13 ، من رواية موسى بن عقبة معضلا . ( 3 ) حديث صحيح ، أخرجه ابن هشام : 2 / 129 ، عن ابن إسحاق بدون إسناد ، وله شواهد كثيرة ، منها عن البراء بن عازب ، أخرجه البخاري : 7 / 280 ؛ وأبو داود : 1 / 415 ؛ وأحمد : 4 / 293 ، 294 ، ومنها عن ابن عباس وهو الرواية الثانية التي في الكتاب . أخرجه أحمد والحاكم وصحّحه كما تقدم قريبا .