محمد الغزالي
258
فقه السيرة ( الغزالي )
واطمأنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى أنّ فرقة الرماة قد أمّنت بهذه الأوامر المشددة مؤخرة جيشه ، فأقبل يتعهّد مقدمته ، وأمر ألا ينشب قتال إلا بإذنه . وظاهر هو نفسه بين درعين « 1 » ، وأخذ يتخيّر الرجال أولي النجدة والبأس ، ليكونوا طليعة المؤمنين حين يلتحم الجمعان . إن عدد المسلمين على الربع من المشركين ، ولن يعوّض هذا التفاوت إلا الأشخاص الذين يوزنون بالألوف وهم احاد . روى ثابت « 2 » عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه أمسك يوم « أحد » بسيف ثم قال : « من يأخذ هذا السّيف بحقّه ؟ » فأحجم القوم ، فقال أبو دجانة : أنا اخذه بحقه ، فأخذه ففلق به هام المشركين . قال ابن إسحاق : كان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب ، وكانت له عصابة حمراء إذا اعتصب بها علم أنّه سيقاتل حتى الموت ، فلما أخذ السيف من يد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تعصّب وخرج يقول : أنا الذي عاهدني خليلي * ونحن بالسّفح لدى النّخيل ألّا أقوم الدّهر في الكيول * أضرب بسيف اللّه والرسول ويعني بعدم قيامه في الكيول : ألا يقاتل في مؤخرة الصفوف ، بل يظلّ أبدا في المقدمة . ثم تدانت الفئتان ، وأذن النبي صلى اللّه عليه وسلم لرجاله أن يجالدوا العدو ، وبدأت مراحل القتال الأولى تثير الغرابة . كأن ثلاثة آلاف مشرك يواجهون ثلاثين ألف مسلم ، لا بضع مئات قلائل ! وظهر المسلمون في أعلى صور الشجاعة واليقين . خرج حنظلة بن أبي عامر من بيته حين سمع هواتف الحرب ، وكان حديث عهد بعرس ، فانخلع من أحضان زوجته ، وهرع إلى ساحة الوغى حتى لا يفوته الجهاد ! . إن حادي التضحية كان أملك لنفسه وأملأ لحسه من داعي اللذة ، فاستشهد البطل وهو جنب ! ! .
--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه الحاكم : 3 / 25 ؛ وعنه البيهقي : 9 / 46 ، من حديث الزبير بن العوام ، وصححه الحاكم ، ووافقه الذهبي ، وهو حسن الإسناد عندي ؛ وأخرجه الترمذي : 3 / 28 ، واستغربه . وله شواهد كثيرة ، منها : عن السائب بن يزيد عن رجل قد سماه ؛ أخرجه أبو داود : 1 / 404 ؛ والبيهقي . وبقية الشواهد تراجع في ( المجمع ) : 6 / 108 - 109 . ( 2 ) كذا وقع في تاريخ ابن كثير : 4 / 15 ، معزوّا لأحمد ، فنقله المؤلف كذلك ، وإنما هو عن ثابت عن أنس ؛ كذلك أخرجه أحمد : 3 / 123 ؛ ومسلم أيضا : 7 / 151 .