محمد الغزالي
256
فقه السيرة ( الغزالي )
معركة أحد لم يهدأ بال قريش مذ غشيها في « بدر » ما غشيها ، وكان ما جدّ من الحوادث بعد لا يزيد أحقادها إلا ضراما ، فلما استدارت السنة ، كانت مكة قد استكملت عدتها ، واجتمع إليها أحلافها من المشركين ، وانضمّ إليهم كلّ ناقم على الإسلام وأهله . فخرج الجيش الثائر في عدد يربو على ثلاثة آلاف . ورأى أبو سفيان - قائده - أن يستصحب النساء معه ، حتى يكون ذلك أبلغ في استماتة الرجال دون أن تصاب حرماتهم وأعراضهم ؟ وكانت الترات القديمة والغيظ الكامن يشعل البغضاء في القلوب ، ويشفّ عما سوف يقع من قتال مرير . وفي أوائل شوال من السنة الثالثة وصل الجيش الزاحف إلى المدينة ، فنزل قريبا من جبل « أحد » وأرسل خيله ترعى زروعها الممتدة هناك . واجتمع المسلمون حول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتدبّرون أمرهم . أيخرجون لمقاتلة العدو في العراء أم يستدرجونه إلى أزقة المدينة ، حتى إذا دخلها قاتله الرجال في الطرق ، وقاتلته النساء من فوق أسطح البيوت ؟ . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يميل إلى الرأي الأخير ، وأيّده فيه رجال من أولي النظر والروية ، وقال عبد اللّه بن أبي : هذا هو الرأي ، لكنّ الرجال الذين لم يشهدوا بدرا تحمّسوا للخروج ، وقالوا : كنا نتمنّى هذا اليوم ، وندعو اللّه ، فقد ساقه إلينا وقرب المسير ! وظاهرهم الشباب الطامح في الاستشهاد ، وبدا أنّ كثرة المسلمين تميل إلى البروز لملاقاة العدو ، فدخل الرسول صلى اللّه عليه وسلم بيته وخرج منه لابسا عدته متهيئا للقتال . وشعر القوم أنّهم استكرهوا الرسول صلى اللّه عليه وسلم على رأيهم ، وأظهروا الرغبة في النزول على رأيه . بيد أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وجد غضاضة من الاضطراب بين شتى الآراء ، فقال : « ما ينبغي لنبيّ لبس لأمته أن يضعها ، حتّى يحكم اللّه بينه