محمد الغزالي

237

فقه السيرة ( الغزالي )

أما أبو جهل فقد سقط مكانه يلفظ أنفاسه ، وتفرّق المشركون بعده بددا ، وتركوا سيقانهم للريح تبعثرهم في فجاج الصحراء ، كما تبعثر كثيبا من الرمل المنهار . ومرّ عبد اللّه بن مسعود بالقتلى ، فوجد أبا جهل فيهم لا يزال به رمق ، فجثم على صدره يبغي الإجهاز عليه ، وتحرّك أبو جهل يسأل : لمن الدائرة اليوم ؟ فقال عبد اللّه : للّه ورسوله ، ثم استتلى عبد اللّه : هل أخزاك اللّه يا عدو اللّه ؟ ! قال له : وبماذا أخزاني ؟ ! هل أعمد من رجل قتله قومه ؟ ! وتفرّس في عبد اللّه ، ثم قال له : ألست رويعينا بمكة ؟ ! . فجعل عبد اللّه يهوي عليه بسيفه حتى خمد « 1 » . ولقي مثل هذا المصير الفاجع سبعون صنديدا من رؤوس الكفر بمكة ، دارت عليهم كؤوس الردى فتجرّعوها صاغرين ، وسقط في الأسر سبعون كذلك ، وفرّ بقية التسعمئة والخمسين يروون لمن خلفهم أنّ الظلم مرتعه وخيم ، وأن البطر يجر في أعقابه الخزي والعار . [ بشاشة الفوز تضحك للمؤمنين ] : وفتح المسلمون عيونهم على بشاشة الفوز تضحك لهم خلال الأرض والسماء . إنّ هذا الظفر المتاح رد عليهم الحياة والأمل والكرامة ، وخلّصهم من أغلال ثقال : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 123 ) [ آل عمران ] . وكانت عدة من استشهد منهم أربعة عشر رجلا ، استأثرت بهم رحمة اللّه ، فذهبوا إلى عليّين . ثبت عن أنس بن مالك : أن حارثة بن سراقة قتل يوم بدر ، وكان في

--> - ضعف هذه الرواية أنّ معاذ بن عمرو مات في زمن عثمان ، كما جزم به البخاري وغيره . ( راجع : ابن هشام : 2 / 72 ) . ( 1 ) رواه بنحوه ابن هشام : 2 / 72 ، عن ابن إسحاق بدون إسناد ، وبعضه في المسند ، رقم ( 4246 ) ، والبيهقي : 9 / 62 ، عن ابن مسعود بسند منقطع ، وقصة قتل ابن مسعود لأبي جهل صحيحة رواها البخاري : 7 / 235 ؛ ومسلم : 5 / 183 - 184 ؛ وأحمد : 3 / 115 ، 129 ، 236 ، من حديث أنس .