محمد الغزالي

238

فقه السيرة ( الغزالي )

النظّارة ، أصابه سهم طائش فقتله ، فجاءت أمه فقالت : يا رسول اللّه ! أخبرني عن حارثة ؟ فإن كان في الجنة صبرت ، وإلا فليرينّ اللّه ما أصنع - تعني من النياحة - وكانت لم تحرّم بعد ! ! فقال لها الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « ويحك أهبلت ؟ إنّها جنان ثمان ، وإنّ ابنك أصاب الفردوس الأعلى . . . » « 1 » . فإذا كان هذا جزاء النظّارة الذين اختطفتهم سهام طائشة ، فكيف بمن خاض إلى المنايا الغمرات الصعاب ؟ ! . في هذه المعركة التقى الاباء بالأبناء ، والإخوة بالإخوة ، خالفت بينهم المبادئ ، ففصلت بينهم السيوف ، وفي عصرنا هذا قاتل الشيوعيون مواطنيهم ، ومزّقوا أغلى الأواصر الإنسانية في سبيل ما يعتقدون ؛ فلا عجب إذا رأيت الابن المؤمن يغاضب أباه الملحد ، ويخاصمه في ذات اللّه ! ! والقتال الذي دار ب ( بدر ) سجّل صورا من هذا النوع الحاد : كان أبو بكر مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكان ابنه عبد الرحمن يقاتله مع أبي جهل ، وكان عتبة بن ربيعة أول من بارز المسلمين ، وكان ولده أبو حذيفة من خيار أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فلما سحبت جثّة عتبة لترمى في القليب نظر الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى أبي حذيفة فإذا هو كثيب ، قد تغيّر لونه ، فقال له : « يا أبا حذيفة ! لعلّك قد دخلك من شأن أبيك شيء ؟ » فقال : لا واللّه يا رسول اللّه ! ما شككت في أبي ولا في مصرعه ، ولكنّي كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا ، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام ، فلمّا رأيت ما أصابه ، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له أحزنني ذلك ! . فدعا له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بخير ، وقال له خيرا . . « 2 » . وأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقتلى المشركين فطرحوا في القليب ، وروي أنه قال عند مراهم : « بئس عشيرة النبيّ كنتم لنبيّكم ؛ كذّبتموني وصدّقني النّاس ، وأخرجتموني وأواني النّاس ، وقاتلتموني ونصرني النّاس » « 3 » .

--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه البخاري : 6 / 20 - 21 ، 7 / 243 . ( 2 ) حديث ضعيف ، رواه ابن هشام : 2 / 75 ، عن ابن إسحاق بلاغا . ( 3 ) حديث ضعيف ، رواه ابن هشام : 2 / 74 ، عن ابن إسحاق ، قال : حدثني بعض أهل العلم . وهذا إسناد معضل . وقد رواه أحمد : 6 / 170 ، من طريق إبراهيم عن عائشة مرفوعا بلفظ : « جزاكم اللّه شرا من قوم نبيّ ، ما كان أسوأ الطرد وأشدّ التكذيب » ، ورجاله ثقات ، لكنّه منقطع بين إبراهيم وهو النخعي ، وبين عائشة .