محمد الغزالي
236
فقه السيرة ( الغزالي )
وغشاوة الغرور ضاربة على عينيه : واللات والعزّى ، لا نرجع حتى نفرّقهم في الجبال ، خذوهم أخذا . وماذا تفعل صيحات الطيش بإزاء الحقائق المكتسحة ؟ ! لكنّ أبا جهل والحق يقال - : كان تمثالا للعناد إلى اخر رمق ، والطمس المنسوج على بصيرته جزء من كيانه ، لا ينفك عنه أبدا ؛ لذلك أقبل يقاتل في شراسة وغضب وهو يقول : ما تنقم الحرب الشّموس منّي ؟ * بازل عامين حديث سنّي لمثل هذا ولدتني أمّي وأحاطت به فلول المشركين يقولون : أبو الحكم لا يخلص إليه ، فكان بينهم وسط غابة ملتفّة . بيد أنّ هذه الغابة لم تلبث أن تهاوت جذعا جذعا أمام حماس المؤمنين ، الذين اشتدّ بأسهم ، وأغرتهم بشائر الفوز ، وساد هتافهم الموقعة ، وهم يقولون : أحد أحد ! . قال عبد الرحمن بن عوف : إنّي لفي الصفّ يوم بدر ، إذ التفتّ ، فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن ، فكأنّي لم امن بمكانهما ، إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه : يا عمّ ، أرني أبا جهل ، فقلت : يا بن أخي ! ما تصنع به ؟ قال : عاهدت اللّه إن رأيته أن أقتله ، أو أموت دونه ! وقال لي الاخر سرّا من صاحبه مثله . قال : فما سرّني أنّني بين رجلين مكانهما . فأشرت لهما إليه ، فشدّا عليه مثل الصّقرين ، فضرباه حتى قتلاه ، وهما ابنا عفراء « 1 » . ويظهر أنهما تركاه بين الحياة والموت ، وقد استشهد البطلان في هذه الواقعة ، ووقف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على مصرعهما يدعو لهما ويذكر صنيعهما « 2 » .
--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه البخاري : 7 / 246 ؛ ومسلم : 5 / 148 - 149 ؛ وأحمد ، رقم ( 1673 ) ؛ واستدركه الحاكم : 3 / 425 ، فوهم ، قوله : « وهما ابنا عفراء » هكذا في رواية البخاري ، وعند الآخرين : « والرجلين معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء » وهي رواية البخاري : 6 / 189 - 190 ، فلعل الرواية الأولى على طريقة التغليب . وانظر : الفتح : 7 / 236 . ( 2 ) الجزم بهذا خطأ بيّن ، لأنه من رواية الواقدي بدون سند . كما في ابن كثير : 3 / 289 ، وحتى لو ساق سنده وكان رجاله ثقات لم يصح ؛ لأنّ الواقدي متهم بالكذب . ويدل على -