محمد الغزالي
225
فقه السيرة ( الغزالي )
وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [ البقرة : 217 ] . وزكّى القران عمل ( عبد اللّه ) وصحبه ، فقد نفّذوا أوامر الرسول صلى اللّه عليه وسلم بأمانة وشجاعة ، وتوغّلوا في أرض العدو مسافات شاسعة ، متعرضين للقتل في سبيل اللّه ، متطوعين لذلك من غير مكره أو محرج . فكيف يجزون على هذا بالتقريع والتخويف ؟ قال اللّه فيهم : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 218 ) [ البقرة ] . والقران الذي نزل في فعال هذه السرية لم يدع مجالا للهوادة مع المشركين المعتدين ؛ مما كان له أثره البعيد لدى المسلمين وخصومهم . فبعد أن كان أغلب المكتتبين في السرايا السابقة من المهاجرين ، أخذت البعوث الخارجة تتألّف من المهاجرين والأنصار معا . وزاد الشعور بأنّ الكفاح المرتقب قد يطول مداه ، وتكثر تبعاته ، ولكنّه كفاح مستحبّ ، مقرون بالخير العاجل والاجل . وأدركت مكة أنها مؤاخذة بما جدّ أو يجدّ من سيئاتها ، وأنّ تجارتها مع الشام أمست تحت رحمة المسلمين . وهكذا اتسعت الهوة ، وزادت بين الفريقين الجفوة . وكأن هذه الأحداث الشداد هي المقدمة لما أعدّه القدر بعد شهر واحد من وقوعها ، عندما جمع رجالات مكة وخيرة أهل المدينة على موعد غير منظور في ( بدر ) .