محمد الغزالي
226
فقه السيرة ( الغزالي )
معركة بدر ترامت الأنباء إلى ( يثرب ) أنّ قافلة ضخمة لقريش تهبط من مشارف الشام عائدة إلى مكة ، تحمل لأهلها الثروة الطائلة ؛ ألف بعير موقرة بالأموال يقودها أبو سفيان بن حرب مع رجال لا يزيدون عن الثلاثين أو الأربعين ! . إن الضربة التي تنزل بأهل مكة - لو فقدوا هذه الثروة - موجعة حقا ، وفيها عوض كامل لما لحق المسلمين من خسائر في أثناء هجرتهم الأخيرة ، لذلك قال الرسول عليه الصلاة والسلام لأصحابه : « هذه عير قريش فيها أموالهم ، فأخرجوا إليها ، لعلّ اللّه ينفلكموها » « 1 » . لم يعزم الرسول صلى اللّه عليه وسلم على أحد بالخروج ، ولم يستحثّ متخلّفا ، بل ترك الأمر للرغبة المطلقة ثم سار - بعد - بمن أمكنه الخروج . وكان الذين صحبوا الرسول صلى اللّه عليه وسلم هذه المرة يحسبون أن مضيّهم في هذا الوجه لن يعدوا ما ألفوا في السرايا الماضية ، ولم يدر بخلد واحد منهم أنه مقبل على يوم من أخطر أيّام الإسلام ! ولو علموا لاتخذوا أهبتهم كاملة ، ولما سمح لمسلم أن يبقى في المدينة لحظة ؛ لذلك فترت الهمم عندما وردت أخبار أخرى بأنّ القافلة المطلوبة غيّرت طريقها ، واستطاع قائدها ( أبو سفيان ) أن ينجو من الخطر المحدق به ، بعد أن أرسل إلى أهل مكة يستنفرهم لحماية أموالهم ، ويستثير حميتهم للخروج في تعبئة ترد كل هجوم . وغالب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم هذا الفتور العارض ، وحذّر صحابته من عقبى العود السريع إلى المدينة إن فاتهم مال مكة وخرج إليهم رجالها ! . وأصرّ على ضرورة تعقّب المشركين كيف كانوا . وذلك قوله تعالى : كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
--> ( 1 ) حديث صحيح ، رواه ابن هشام : 2 / 61 ، عن ابن إسحاق بسنده الصحيح عن ابن عباس .