محمد الغزالي

222

فقه السيرة ( الغزالي )

[ حكمة بعث السرايا ] : والحكمة في توجيه هذه السرايا على ذلك النحو المتتابع تتلخّص في أمرين : أولهما : إشعار مشركي يثرب ويهودها وأعراب البادية الضاربين حولها بأن المسلمين أقوياء ، وأنهم تخلّصوا من ضعفهم القديم ؛ ذلك الضعف الذي مكّن قريشا في مكة من مصادرة عقائدهم وحرياتهم ، واغتصاب دورهم وأموالهم ، ومن حق المسلمين أن يعنوا بهذه المظاهرات العسكرية على ضالة شأنها ، فإن المتربّصين بالإسلام في المدينة كثر ، ولن يصدّهم عن النيل منه إلّا الخوف واحده ؛ وهذا تفسير قوله تعالى : تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ [ الأنفال : 60 ] . والصنف الأخير هم المنافقون الذين يبطنون البغضاء للإسلام وأهله ، ولا يمنعهم من إعلان السخط عليه إلا الجبن وسوء المغبة ، أمّا الأوّلون فهم المشركون ولصوص الصحراء وأشباههم ممن لا يبالون - لولا هذه السرايا - الهجوم على المدينة واستباحة حماها . وقد كان من الجائز أن تتكرّر حادثة ( كرز بن جابر ) السابقة ، ويتجرّأ البدو على تهديد المدينة حينا بعد حين ؛ غير أنّ هذه السرايا الزاحفة قتلت نيات الطمع وحفظت هيبة المسلمين . والأمر الاخر : - في حكمة بعث السرايا - إنذار قريش عقبى طيشها ؛ فقد حاربت الإسلام ، ولا تزال تحاربه ، ونكّلت بالمسلمين في مكة ، ثم ظلت ماضية في غيّها ، لا تسمح لأحد من أهل مكة أن يدخل في دين اللّه ، ولا تسمح لهذا الدين أن يجد قرارا في بقعة أخرى من الأرض ، فأحبّ الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن يشعر حكام مكة بأن هذه الخطة الجائرة ستلحق بهم الأضرار الفادحة ، وأنه قد مضى إلى غير عودة - ذلك العصر الذي كانوا يعتدون فيه على المؤمنين وهم بمأمن من القصاص . والمستشرقون الأوروبيون ينظرون إلى هذه السرايا كأنها ضرب من قطع الطريق ، وهذه النظرة صورة للحقد الذي يعمي عن الحقائق ، ويتيح للهوى أن يتكلّم ويحكم كيف يشاء .