محمد الغزالي

223

فقه السيرة ( الغزالي )

وقد ذكّرني هذا الاستشراق المغرض بما حكوه عند قمع الإنكليز لثورة الأهلين في إفريقية الوسطى - مستعمرة كينية - وهم يطلبون الحرية لوطنهم ويحاولون إجلاء الأجانب عنه . قال جندي إنكليزي لاخر - يصف هؤلاء الإفريقيين - : إنهم وحوش ، تصوّر أنّ أحدهم عضّني وأنا أقتله ! ! ! . إن هذه الأضحوكة صورة من تفكير المستشرقين في إنصاف أهل مكة والنعي على الإسلام وأهله . سرية عبد اللّه بن جحش : وفي رجب من السنة الثانية بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( عبد اللّه بن جحش ) في رهط من المهاجرين ، وكتب له كتابا ، وأمره ألا ينظر فيه إلا بعد يومين من مسيره . فإذا نظر فيه ، ووعى ما كلّفه الرسول صلى اللّه عليه وسلم به مضى في تنفيذه غير مستكره أحدا من أصحابه ، فسار عبد اللّه ، ثم قرأ الكتاب بعد يومين ، فإذا فيه : امض حتى تنزل ( نخلة ) بين مكة والطائف ، فترصّد بها قريشا ، وتعلّم لنا من أخبارهم . فقال عبد اللّه : سمعا وطاعة ، وأطلع أصحابه على كتاب الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، قائلا : إنه نهاني أن أستكره أحدا منكم ، فمن كان يريد الشهادة ، ويرغب فيها ، فلينطلق معي ، ومن كره ذلك فليرجع . . فلم يتخلّف منهم أحد ، غير أنّ البعير الذي كان يعتقبه ( سعد بن أبي وقاص ) و ( عتبة بن غزوان ) ، ندّ منهما ، فشغلا بطلبه ، ومضى عبد اللّه برفاقه حتى نزل أرض ( نخلة ) ، فمرّت عير قريش ، فهاجمها عبد اللّه ومن معه ، فقتل في هذه المعركة ( عمرو بن الحضرمي ) ، وأسر اثنان من المشركين ، وعاد عبد اللّه بن جحش بالقافلة والأسيرين إلى المدينة . ويظهر أن هذا القتال وقع في اخر رجب ، أي في الشهر الحرام . فلمّا قدمت السرية على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ما أمرتكم بقتال في الشّهر الحرام » ، ووقف التصرف في العير والأسيرين . ووجد المشركون فيما حدث فرصة لاتهام المسلمين بأنهم قد أحلوا ما حرم اللّه ، وكثر في ذلك القيل والقال ، حتى نزل الوحي حاسما هذه الأقاويل ومؤيدا مسلك عبد اللّه تجاه المشركين :