محمد الغزالي

21

فقه السيرة ( الغزالي )

طبيعة الرّسالة الخاتمة وتمتاز بعثة محمد صلى اللّه عليه وسلم بأنها عامة ودائمة . واللّه عز وجلّ كان يستطيع أن يبعث في كلّ قرية نذيرا ، ولكلّ عصر مرشدا ، وإذا كانت القرى لا تستغني عن النّذر ، والأعصار لا تستغني عن المرشدين ، فلم استعيض عن ذلك كله برجل فذ ؟ . الحقّ أن هذا الاكتفاء أشبه بالإيجاز الذي يحصّل المعنى الكثير في اللفظ اليسير ؛ وبعثة محمد عليه الصلاة والسلام كانت عوضا كاملا عن إرسال جيش من النبيين يتوزّع على الأعصار والأمصار ، بل إنها سدّت مسدّ إرسال ملك كريم إلى كل إنسان تدبّ على الأرض قدماه ، ما بقيت على الأرض حياة ، وما تطلعت عين إلى الهدى والنجاة ، ولكن كيف ذلك ؟ ! . في المزالق المتلفة قد يقول لك ناصح أمين : أغمض عينيك واتبعني ، أو لا تسلني عن شيء يستثيرك ، وربما تكون السلامة في طاعته ؛ فأنت تمشي وراءه حتى تبلغ مأمنك ، إنه في هذه الحال رائدك المعين ، الذي يفكر لك ، وينظر لك ، ويأخذ بيدك ؛ فإن هلك هلكت معه . أمّا لو جاءك من أول الأمر رجل رشيد فرسم خطّ السير ، وحذّرك مواطن الخطر ، وشرح لك في إفاضة ما يطوي لك المراحل ويهوّن المتاعب ، وسار معك قليلا ليدرّبك على العمل بما علمت ؛ فأنت في هذه الحال رائد نفسك ، تستطيع الاستغناء بتفكيرك وبصرك عن غيرك . إن الوضع الأوّل أليق بالأطفال والسّذّج ، وأما الوضع الأخير فهو المفروض عند معاملة الرجال وأولي الرأي من الناس . واللّه عز وجلّ عندما بعث محمدا عليه الصلاة والسلام لهداية العالم ، ضمّن رسالته الأصول التي تفتّق للألباب منافذ المعرفة بما كان ويكون . والقران الذي أنزله على قلبه هو كتاب من ربّ العالمين إلى كلّ حيّ ، ليوجهه إلى الخير ويلهمه الرشد .