محمد الغزالي
22
فقه السيرة ( الغزالي )
لم يكن محمد عليه الصلاة والسلام إماما لقبيل من الناس صلحوا بصلاحه ، فلما انتهى ذهبوا معه في خبر كان ، بل كان قوة من قوى الخير ، لها في عالم المعاني ما لاكتشاف البخار والكهرباء في عالم المادة . وإن بعثته لتمثّل مرحلة من مراحل التطور في الوجود الإنساني ، كان البشر قبلها في وصاية رعاتهم أشبه بطفل محجور عليه ، ثم شبّ الطفل عن الطوق ، ورشّح لاحتمال الأعباء واحده ، وجاء الخطاب الإلهي إليه - عن طريق محمد صلى اللّه عليه وسلم - يشرح له كيف يعيش في الأرض ، وكيف يعود إلى السماء . فإذا بقي محمد صلى اللّه عليه وسلم أو ذهب فلن ينقص ذلك من جوهر رسالته . إن رسالته تفتيح الأعين والاذان ، وتجلية البصائر والأذهان ، وذلك مودع في تراثه الضخم من كتاب وسنّة . إنه لم يبعث ليجمع حول اسمه أناسا قلّوا أو كثروا ؛ إنما بعث صلة بين الخلق والحق الذي يصحّ به وجودهم ، والنور الذي يبصرون به غايتهم . فمن عرف في حياته الحق ، وكان له نور يمشي به في الناس فقد عرف محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، واستظلّ بلوائه ، وإن لم ير شبحه أو يعش معه : يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً ( 174 ) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 175 ) [ النساء ] . فإذا رأيت بعض الناس يتناسى دروس الأستاذ ، ويتشبّث بثيابه وهو حيّ ، أو يتعلق برفاته وهو ميت ، فاعلم أنه طفل غرير ، ليس أهلا لأن يخاطب بتعاليم الرسالة بله أن يستقيم على نهجها . في مسجد النبي صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة رأيت حشدا من الناس يتلمّس جوار الرّوضة الشريفة ، ويودّ أن يقضي العمر بجانبها . ولو خرج النبيّ صلى اللّه عليه وسلم حيّا على هؤلاء ؛ لأنكر مراهم وكره جوارهم . إن رثاثة هيئتهم ، وقلّة فقههم ، وفراغ أيديهم ، وضياع أوقاتهم ، وطول غفلتهم ، تجعل علاقتهم بنبيّ الإسلام أوهى من خيط العنكبوت . قلت لهم : ما تفيدون من جوار النبي صلى اللّه عليه وسلم ؟ وما يفيد هو نفسه منكم ؟ إنّ الذين يفقهون رسالته ويحيونها من وراء الرمال والبحار ، أعرف بحقيقة