محمد الغزالي
20
فقه السيرة ( الغزالي )
قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 186 ) [ آل عمران ] . والظلام الذي ران على الأفئدة والعقول في غيبة أنوار التوحيد ، طوى في سواده أيضا تقاليد الجماعة وأنظمة الحكم ، فكانت الأرض مذأبة يسودها الفتك والاغتيال ، ويفقد فيها الضّعاف نعمة الأمان والسكينة . وأيّ خير يرجى في أحضان وثنية كفرت بالعقل ، ونسيت اللّه ، ولانت في أيدي الدجّالين ؟ ! . لا غرابة إذا رفع اللّه عنها يده كما جاء في الحديث : « إن اللّه نظر إلى أهل الأرض فمقتهم ، عربهم وعجمهم ؛ إلا بقايا من أهل الكتاب . . . » « 1 » . وهذه البقايا هي التي ظلّت مستعصية على الشرك برغم طوفان الكفر الذي طمّ البقاع والتلاع . لقد عمّت الدنيا قبل بعثة محمد صلى اللّه عليه وعلى اله وسلم حيرة وبؤس ، ناءت بهما الكواهل : أتيت والنّاس فوضى لا تمرّ بهم * إلّا على صنم قد هام في صنم فعاهل الرّوم يطغى في رعيّته * وعاهل الفرس من كبر أصمّ عمي « 2 » حتّى تأذّن اللّه ليحسمنّ هذه الآثار ، وليسوقنّ هدايته الكبرى إلى الأنام ، فأرسل إلى الأمة محمدا عليه الصلاة والسلام .
--> ( 1 ) من حديث طويل رواه مسلم في صحيحه . ( 2 ) الأبيات لشوقي من قصيدته المشهورة ( نهج البردة ) . ( ن ) .