محمد الغزالي

199

فقه السيرة ( الغزالي )

ثم إنّ الإنسان ليس عقلا فحسب ، إنه - قبل ذلك - قلب ينبغي أن يسلم من الأهواء والآثام ، وأن ينجو من الشقاوة والظلام ، وأن يكون في حنايا صاحبه قوة تسوق إلى الخير والحب ، وحاديا يهفو إلى الجمال والرحمة . والمرسلون الكرام يتعهّدون ضمائر البشر بالتعليم والتربية . وأشبه الناس بهم من اقتفى اثارهم ، وأخذ في طريقهم ، وأول أولئك قاطبة من صحبوهم في حياتهم ، وقاسموهم أعباء دعوتهم ومغارم جهادهم . قال عبد اللّه بن مسعود : « من كان مستنّا فليستنّ بمن مات ، فإنّ الحيّ لا تؤمن عليه الفتنة ، أولئك أصحاب محمّد عليه الصلاة والسلام ، كانوا أفضل هذه الأمة ، أبرها قلوبا وأعمقها علما ، وأقلّها تكلّفا ، اختارهم اللّه لصحبة نبيّه ، وإقامة دينه ، فاعرفوا لهم فضلهم ، واتبعوهم على أثرهم ، وتمسّكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم ، فإنّهم كانوا على الهدى المستقيم . . » . ولا شك أنّ أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم يرجحون أصحاب موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام . فإنّ تاريخهم في الإيمان والجهاد وإبلاغ الدعوة إلى الأخلاف كاملة مضبوطة غير منقوصة ولا محرّفة ، لا يشبه أيّ تاريخ اخر . . ونحن نسوق هذه المقدمة بين يدي الكلام عن الأذان ، وكيف شرع ؟ فإنّ ميلاد هذه الشعيرة العظيمة ، يحمل معه آيات بيّنة عن عظمة النفوس إذا صفت فنضحت بالحق ، وسكن إليها الإلهام . قال ابن إسحاق : وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين قدم المدينة إنما يجتمع الناس إليه للصلاة لحين مواقيتها بغير دعوة ، فهمّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يجعل بوقا كبوق يهود الذي يدعون به لصلاتهم ، ثم كرهه ، ثم أمر بالناقوس ، فنحت ليضرب به للمسلمين للصلاة ؛ فبينما هم على ذلك رأى عبد اللّه بن زيد بن ثعلبة أخو بني الحارث النداء ، فأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : يا رسول اللّه ! إنه طاف بي هذه الليلة طائف ، مرّ بي رجل عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسا في يده ، فقلت : يا عبد اللّه ، أتبيع هذا الناقوس ؟ فقال : وما تصنع به ؟ قال : قلت : ندعو به إلى الصلاة ، قال : ألا أدلّك على خير من ذلك ؟ قلت : ما هو ؟ قال : تقول : اللّه أكبر اللّه أكبر ، اللّه أكبر اللّه أكبر . أشهد ألاإله إلا اللّه ، أشهد ألاإله إلا اللّه .