محمد الغزالي

19

فقه السيرة ( الغزالي )

جزء من الحق ، في أجزاء من الباطل ، في سياق يصرف الناس اخر الأمر عن اللّه ، ويبعدهم عن ساحته . وأعظم نكبة أصابت الأديان إثر عدوان الوثنيات عليها ، ما أصاب شريعة عيسى ابن مريم عليه السّلام من تبدّل مروّع ، ردّ نهارها ليلا ، وسلامها ويلا ، وجعل الواحدة شركة ، وانتكس بالإنسان ، فعلق همته بالقرابين ، وفكره بالألغاز المعمّاة . إن خرافة الثالوث والفداء تجددت حياتها بعد ما أفلحت الوثنية مرتين : الأولى في إقحامها إقحاما على النصرانية الجديدة ، وبذلك انتصرت الوثنية مرتين : الأولى في تدعيم نفسها ، والأخرى في تضليل غيرها . فلما جاء القرن السادس لميلاد عيسى عليه السّلام ؛ كانت منارات الهدى قد انطفأت في مشارق الأرض ومغاربها ؛ وكان الشيطان يذرع الأقطار الفيح ، فيرى ما غرس من أشواك قد نما وامتد . فالمجوسية في فارس طليعة عنيدة للشرك الفاشي في الهند والصين ، وبلاد العرب وسائر المجاهل . والنصرانية التي تناوئ هذه الجبهة قبست أبرز ماثرها من خرافات الهنود والمصريين القدامى ، فهي تجعل للّه صاحبة وولدا ؛ وتغري أتباعها في ( رومة ) ومصر والقسطنطينية بلون من الإشراك أرقى مما ألف عبّاد النيران وعبّاد الأوثان ، شرك مشوب بتوحيد يحارب شركا محضا . ولكن ما قيمة هذه النقائض التي جمعت النصرانية بين شتاتها ؟ : قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 68 ) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ( 69 ) مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ( 70 ) [ يونس ] . ويظهر أنّ اصرة الشرك بين المجوسية والديانات السماوية المشوّهة هي التي جعلت هذه الأحزاب إلبا على المسلمين يوم بدؤوا يقيمون جماعتهم على عبادة الواحد الحق ، وقد نبّأ اللّه هذه الأمة بأن الأذى سوف ينصبّ عليها من عبدة الأصنام ، ومن أهل الكتاب في أن ، ووصاها أن تتذرع بالصبر أمام هذا التحامل . لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ