محمد الغزالي
182
فقه السيرة ( الغزالي )
ومن الناس من يتعشّق الجمال ، ويجري وراء النّساء ، ويجد في المتعة بهن نهمته ، التي يسكن بعدها ، ويستكين ، ويقول : لا أرى الدّنيا على نور الضّحى * بل أرى الدّنيا على نور العيون ومنهم من يبحث عن المال ، ويقضي سحابة نهاره وشطر ليله يتتبّع الأرقام في دفاتره ، يحصي ما وقع في يده ، ويتربّص بما لم يقع ، وربما ذهل عن طعامه ولباسه في غريزة الاقتناء التي سدّت عليه المنافذ . [ النفس العظيمة ] : إلى جانب هذه الأصناف تجد فريقا اخر من البشر ، لا يطيق الكفّ عن إسداء الجميل ، وبذل النصيحة ، ورعاية الصالح العام ، وإفناء ذاته في سبيل الفضائل التي ملكت لبّه ، وعمرت قلبه . . . إنه يبيت مسهّدا لو فرّط في واجب . . . راحته الكبرى في نشدان الكمال ، وسعادته القصوى يوم يدرك منه سهما . . . وأصحاب الرسالات رهناء ما تحمّلوا من أمانات ضخمة ، فمغانمهم ومغارمهم وحلّهم وترحالهم ، وصداقتهم وخصومتهم ، ترجع كلّها إلى المعاني التي ارتبطوا بها وحيوا لأجلها . . . وصاحب الرسالة العظمى محمد بن عبد اللّه صلى اللّه عليه وسلم ضرب من نفسه المثل الفذ للمكافحين ، فمنذ أخذ على عاتقه تمزيق الأسداف التي ألقت على العالم ليلا كثيفا من الشرك والخرافة ؛ لم يفلح أحد في ثنيه عن عزمه ، أو تعويق مسيره ، أو ترضيته برغبة ، أو ردعه برهبة ، وفنيت أمام عينيه فوارق الزمان والمكان ، فالغريب عنه إذا عرف الحقّ قريب ، ووطنه إذا تنكّر للهدى فهو منه بريء ، والمؤمنون به اخر الدهر هم إخوانه ، وإن لم يشاهدوه . ولقد عاش في مكة ثلاثة وخمسين عاما حتى ألفها وألفته ، لكنّه اليوم يخرج منها إلى وطن جديد ، يرى فيه امتداد قلبه ، وثمار غرسه . والرجال الذين تنبع سعادتهم من قلوبهم ، ويرتبطون أمام ضمائرهم بمبادئهم ، لا يكرّمون بيئة بعينها إلا أن تكون صدى لما يرون . فلا غرو إذا دخل محمد صلى اللّه عليه وسلم المدينة دخول الوامق المعتزّ . . واستبشر بما اتاه اللّه فيها من فتح ، وتوسّم من وراء هذه الهجرة بشائر الخير والنصر :