محمد الغزالي

18

فقه السيرة ( الغزالي )

الزرية ، فأمسى الإنسان الذي استخلفه اللّه ليكون ملكا في السماوات والأرض ، أمسى عبدا مسخرا لأدنى شيء في السماوات والأرض . وماذا بعد أن تقدّس العجول والأبقار ، وتعبد الأخشاب والأحجار ، وتطبق شعوب بأسرها على هذه الخرافة ؟ ! . إن الوثنية هوان يأتي من داخل النفس لا من خارج الحياة ، فكما يفرض المحزون كابته على ما حوله ، وكما يتخيل المرعوب الأجسام القائمة أشباحا جاثمة ؛ كذلك يفرض المرء الممسوخ صغار نفسه وغباء عقله على البيئة التي يحيا فيها ، فيؤلّه من جمادها وحيوانها ما يشاء . ويوم ينفسح القلب الضيّق ، ويشرق الفكر الخامد ، وتثوب إلى الإنسان معانيه الرفيعة ، فإن هذه الانعكاسات الوثنية تنزاح من تلقاء نفسها . ومن ثمّ كان العمل الأول للدين داخل الإنسان نفسه ، فلو ذبحت العجول المقدّسة ، ونكّست الأصنام المرموقة ، وبقيت النفس على ظلامها القديم ، ما أجدى ذلك شيئا في حرب الوثنية ! فيبحث العبّاد المفجوعون عن آلهة أخرى غير ما فقدوا ، يوفضون إليها من جديد ! وما أكثر الوثنيين في الدنيا وإن لم يلتفّوا حول نصب ، وما أسرع الناس إلى تجاهل الوجود الحق ، وربّه الأعلى ، والجري وراء وهم جديد ! ! . والخرافة لا تأخذ مجراها في الحياة وهي تعلن عن باطلها ، أو تكشف عن هرائها ؛ كلّا ، إنها تداري مجونها بثوب الجد ، وتستعير من الحق لبوسه المقبول ، وقد تأخذ بعض مقدماته وبعض نتائجه ، ثم تتزين بعد ذلك للمخدوعين . وكذلك فعلت الوثنية ، لقد أغارت على الدين الصحيح ، وحقائقه الناصعة ، لا كما يغير النحل على أزهار الربيع ، بل كما تغير الديدان وأسراب الجراد على الحدائق الغنّاء ، فتحيلها قاعا بلقعا . وهي إذا أفسدت ما تركت ، لم تصلح ما أخذت ، ولئن كان ما أخذته خيرا قبل أن تتصل به ، لقد أصبح شرّا بعد ما تحوّل في جوفها إلى سموم . وهذا هو السرّ في أنّ الوثنية التي لا تعرف اللّه تزعم أنها بأصنامها تتقرّب إليه وتبغي مرضاته .