محمد الغزالي
177
فقه السيرة ( الغزالي )
سراقة بن مالك قد رهقنا ! وما أتمّ كلامه حتى هوت الفرس مرة أخرى ملقية سراقة من على ظهرها ، فقام معفّرا ينادي بالأمان ! ! . وقع في نفس سراقة أنّ الرسول عليه الصلاة والسلام حقّ فاعتذر إليه ، وسأله أن يدعو اللّه له ، وعرض عليهما الزاد والمتاع ، فقالا : لا حاجة لنا ، ولكن عمّ عنا الطلب « 1 » ، فقال : قد كفيتم ، ثم رجع ، فوجد الناس جادّين في البحث عن محمد عليه الصلاة والسلام وصاحبه ، فجعل لا يلقى أحدا من الطّلب إلا ردّه وهو يقول : كفيتم هذا الوجه ! . أصبح أول النهار جاهدا عليهما ، وأمسى اخره حارسا لهما . . . ! ! . دعاء : إنّ أسفار الصحراء توهي العمالقة الآمنين ؛ فكيف بركب مهدر الدم ، مستباح الحق ؟ ! . ما يحسّ هذه المتاعب إلا من صلي نارها ، لقد برزنا لوهج الظهيرة يوما ، فكادت الأشعة البيضاء المنعكسة على الرمال تخطف أبصارنا ، فعدنا مغمضين ، نستبقي من عيوننا ما خفنا ضياعه . وعندما تصبح وتمسي وسط وهاد ونجاد لا تنتهي حتى تبدأ ، تخال العالم كلّه مهامه مغبّرة الأرجاء ، داكنة الأرض والسماء . وجرت عادة المسافرين أن يأووا في القيلولة إلى أي ظلّ في بطاح ينتعل كل شيء فيها ظله ، حتى إذا جنحت الشمس للمغيب ، تحرّكت المطايا اللاغبة ، تغالب الجفاف والكرى . وللعرب طاقة على احتما لهذا الشظف مع قلّة الزاد والري . وقد مر بك أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم - وهو طفل - قطع هذه الطريق ، ذهب مع أمه لزيارة قبر أبيه ، ثم عاد واحده ! . وإنه الان ليقطعها ، وقد بلغ الثالثة والخمسين ، لا لزيارة أبويه اللذين ماتا
--> ( 1 ) إلى هنا أخرجه البخاري : 7 / 190 - 192 ؛ والحاكم : 3 / 6 - 7 ، من حديث سراقة بن مالك بن جعشم ، وبقية القصة إلا السطر الأخير أخرجها مسلم : 8 / 236 ، 237 ، من حديث البراء بن عازب ، والسطر المذكور عند البخاري : 7 / 200 ، من حديث أنس ، ورواه أحمد أيضا : 3 / 211 .