محمد الغزالي

178

فقه السيرة ( الغزالي )

بالمدينة ؛ بل لرعاية رسالته ، التي تشبثت بأرض يثرب جذورها ، بعد ما تبرّمت مكة بها وبصاحبها وبمن حوله . . . إنّه أرسخ أهل الأرض يقينا بأنّ اللّه ناصره ومظهر دينه ، بيد أنّه أسيف للفظاظة التي قوبل بها ، وللجحد الذي لاحقه من بدء رسالته حتى اضطرّه إلى الهجرة على هذا النحو العنيف ، ها هو ذا يخرج من مكة ، وقد أعلن سادتها عن الجوائز المغرية لمن يغتاله . . . روى أبو نعيم « 1 » : أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما خرج من مكة مهاجرا إلى اللّه ، قال : « الحمد للّه الذي خلقني ولم أك شيئا ، اللهم أعنّي على هول الدّنيا ، وبوائق الدّهر ، ومصائب الليالي والأيام ، اللهم اصحبني في سفري ، واخلفني في أهلي ، وبارك لي فيما رزقتني ، ولك فذلّلني ، وعلى صالح خلقي فقوّمني ، وإليك ربّ فحببني ، وإلى النّاس فلا تكلني ، رب المستضعفين وأنت ربي ، أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السماوات والأرض ، وكشفت به الظلمات ، وصلح عليه أمر الأولين والآخرين أن تحلّ علي غضبك ، وتنزل بي سخطك ، وأعوذ بك من زوال نعمتك ، وفجأة نقمتك ، وتحوّل عافيتك ، وجميع سخطك ، لك العتبى عندي خير ما استطعت ، ولا حول ولا قوّة إلا بك » . [ خبر الهجرة ينتشر في جوانب الصحراء ] : ومما يلفت النظر أنّ انطلاق الرسول صلى اللّه عليه وسلم من مكة شاع في جوانب الصحراء ، وكأنّ أسلاك البرق طيّرته إلى أقصى البقاع ، فعلم به البدو والحضر على طول الطريق حتى يثرب ، بل إنّ المحال التي عرّج بها وصل نبؤها إلى أهل مكة ، بعد أن انصرف عنها . والنّاس يعجبون بقصص البطولة ، وتستثيرهم ألوان التحدي ، وهم يتناقلون الأخبار السيالة على الألسن ، فيضفون عليها ثياب الأساطير ، وقد سرّت قلوب كثيرة بغلب محمد عليه الصلاة والسلام على من تبعوه ، وترجمت عواطفها هذه شعرا يتغنى به ، ولا يعرف قائله ! ! . .

--> ( 1 ) عزاه إليه ابن كثير : 3 / 187 ، من طريق محمد بن إسحاق ، قال : بلغني أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما خرج من مكة مهاجرا إلى اللّه يريد المدينة ، قال . . . فذكر الدعاء ، قلت : وهذا إسناد ضعيف معضل .