محمد الغزالي

173

فقه السيرة ( الغزالي )

ثم قال : يا نبيّ اللّه إنّ هاتين الراحلتين كنت أعددتهما لهذا ، فاستأجرا عبد اللّه بن أريقط - وهو مشرك ! - يدلّهما على الطريق ، ودفعا إليه راحلتيهما ، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما « 1 » . . قال ابن إسحاق : ولم يعلم - فيما يلغني - بخروج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أحد حين خرج - يقصد : نوى الخروج - إلا علي وأبو بكر واله رضي اللّه عنهما . أما علي رضي اللّه عنه فإنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمره أن يتخلّف حتى يؤدّي عنه الودائع التي كانت عنده للناس ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده ، لما يعلم من صدقه وأمانته . درس في سياسة الأمور : ويلاحظ أنّ النبي عليه الصلاة والسلام كتم أسرار مسيره ، فلم يطلع عليها إلا من لهم صلة ماسّة ، ولم يتوسّع في إطلاعهم إلا بقدر العمل المنوط بهم . وقد استأجر دليلا خبيرا بطريق الصحراء ؛ ليستعين بخبرته على مغالبة المطاردين ، ونظر في هذا الاختيار إلى الكفاية واحدها ، فإذا اكتملت في أحد ولو مشركا - استخدمه وانتفع بموهبته . ومع هذه المرونة في وضع الخطة ، فإنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام أصرّ أن يدفع ثمن راحلته ، وأبى أن يتطوّع أبو بكر به ، لأن البذل في هذه الهجرة ضرب من العبادة ينبغي الحرص عليه ، وتستبعد النيابة فيه . واتّفق الرسول عليه الصلاة والسلام مع أبي بكر على تفاصيل الخروج ، وتخيّروا الغار الذي يأوون إليه ، تخيّروه جنوبا في اتجاه اليمن ، لتضليل المطاردين ، وحدّدوا الأشخاص الذين يتّصلون بهم في أثناء اللّجأ إليه ، ومهمة كل شخص .

--> ( 1 ) أخرجه ابن إسحاق ( 2 / 2 - 3 من ابن هشام ) وفيه شيخه الذي لم يسم ، لكن قد سماه ابن جرير : 2 / 103 ، في رواية عن ابن إسحاق ، فقال : « حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن الحصين التميمي ، قال : حدثني عروة بن الزبير به » . ومحمد بن عبد الرحمن هذا في عداد المجهولين ، أورده ابن أبي حاتم في ( الجرح والتعديل : 3 / 2 / 317 ) . وذكر أنه روى عن جماعة وعنه ابن إسحاق . ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا . لكنه لم ينفرد بالحديث فقد أخرجه ابن جرير : 2 / 101 - 103 ، من طريق هشام بن عروة عن عروة به نحوه . وإسناده صحيح . وأخرجه البخاري وأحمد من طريق الزهري قال : عروة به ، مع شيء من الاختصار .