محمد الغزالي
174
فقه السيرة ( الغزالي )
ثم عاد الرسول عليه الصلاة والسلام إلى بيته ، فوجد قريشا بدأت تضرب الحصار حوله ، وبعثت بالفتيان الذين وكل إليهم اغتيال محمد عليه الصلاة والسلام ، وتفريق دمه بين القبائل ! ! . وأوعز الرسول عليه الصلاة والسلام إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه في هذه الليلة الرهيبة أن يرتدي برده الذي ينام فيه ، وأن يتسجّى به على سريره ، وفي هجعة من الليل ، وغفلة من الحرس ، نسل الرسول عليه الصلاة والسلام من بيته إلى دار أبي بكر ، ثم خرج الرجلان من خوخة في ظهرها إلى غار ثور . . . إلى الغار الذي استودعته العناية مصير الرسالة الخاتمة ، ومستقبل حضارة كاملة ، وتركته في حراسة الصمت والوحشة والانقطاع . . في الغار : وسارت الأمور على ما قدّرا ، وكان أبو بكر قد أمر ابنه عبد اللّه أن يتسمّع لهما ما يقول الناس فيهما ، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك من أخبار ، وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره ، ثم يريحها عليهما إذا أمسى في الغار ، فكان عبد اللّه بن أبي بكر في قريش يسمع ما يأتمرون به ، وما يقولون في شأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبي بكر ، ثم يأتيهما إذا أمسى فيقصّ عليهما ما علم ، وكان عامر في رعيان أهل مكة ، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر ، فاحتلبا ، وذبحا ، فإذا غدا عبد اللّه من عندهما إلى مكة ، أتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم يعفّي عليه . . وتلك هي الحيطة البالغة كما تفرضها الضرورات المعتادة على أي إنسان . . وانطلق مشركو مكة في اثار المهاجرين يرصدون الطرق ، ويفتّشون كلّ مهرب ، وراحوا ينقّبون في جبال مكة ، وكهوفها ، حتى وصلوا - في دأبهم - قريبا من غار ثور ، وأنصت الرسول صلى اللّه عليه وسلم وصاحبه إلى أقدام المطاردين ، تخفق إلى جوارهم ، فأخذ الروع أبا بكر ، وهمس يحدّث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لو نظر أحدهم تحت قدمه لرانا ، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام : « يا أبا بكر ! ما ظنّك باثنين اللّه ثالثهما » « 1 » .
--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه البخاري : 7 / 207 ؛ ومسلم : 7 / 109 ، وغيرهما من حديث أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه .