محمد الغزالي
165
فقه السيرة ( الغزالي )
طلائع الهجرة إنّ نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر والجهالة ، هو أخطر كسب حصل عليه منذ بدأت الدعوة له ، وقد تنادى المسلمون من كل مكان : هلمّوا إلى يثرب . . فلم تكن الهجرة تخلّصا فقط من الفتنة والاستهزاء ، بل كانت تعاونا عاما على إقامة مجتمع جديد في بلد امن . وأصبح فرضا على كلّ مسلم قادر أن يسهم في بناء هذا الوطن الجديد ، وأنّ يبذل جهده في تحصينه ، ورفع شأنه ، وأصبح ترك المدينة - بعد الهجرة إليها - نكوصا عن تكاليف الحق ، وعن نصر اللّه ورسوله صلى اللّه عليه وسلم ، فالحياة بها دين ، لأنّ قيام الدين يعتمد على إعزازها . وفي عصرنا هذا أعجب اليهود بأنفسهم ، وعانق بعضهم بعضا مهنّئا ؛ لأنهم استطاعوا تأسيس وطن قوميّ لهم ، بعد أن عاشوا - مشرّدين - قرونا طوالا . ونحن لا ننكر جهد اليهود في إقامة هذا الوطن ، ولا حماس المهاجرين من كلّ فجّ للعيش به ، ومحاولة إحيائه وإعلائه . ولكن ما أبعد البون بين ما صنع اليهود اليوم - أو بتعبير أدق : ما صنع لليهود اليوم - وبين ما صنع الإسلام وبنوه لأنفسهم ، يوم هاجروا إلى يثرب نجاة بدعوتهم ، وإقامة لدولتهم . إنّ اليهود جاؤوا على حين فرقة من العرب ، وغفلة وضعف ، وحاكوا مؤامراتهم في ميدان السياسة الغربية الناقمة على الإسلام وأهله ، فإذا بالعالم كلّه يهجم على فلسطين بالمال والسلاح ، والنساء والدهاء ، فلم يستطع مليون عربي حصرتهم الخيانات في مازق ضيقة أن يصنعوا شيئا ، فهاموا على وجوههم في الأرض ، نتيجة اتفاق أمريكة ، وروسية ، وإنكلترة ، وفرنسة و . . ملوك العرب ؛ على خذلان أولئك العرب التعساء ، وبذلك قام الوطن القومي لليهود ، وبثّت الدعاية لتشجيع الهجرة إليه ، وإسداء العون له من دهاقين السياسة والمال في أنحاء الدنيا ! ! .