محمد الغزالي
166
فقه السيرة ( الغزالي )
أين هذا الحضيض من رجال أخلصوا للّه طواياهم ، وترفّعت عن المآرب هممهم ، وذهلوا عن المتاع المبذول ، والأمان المتاح ، واستهوتهم المثل العليا واحدها في عالم يعجّ بالصّمّ البكم ، وربطوا مستقبلهم بمستقبل الرسالة المبرّأة التي اعتنقوها ، وتبعوا صاحبها المتجرّد المكافح ، وهو لا يني يقول : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 108 ) [ يوسف ] . إنّ المدينة الفاضلة التي تعشّقها الفلاسفة ، وتخيلوا فيها الكمال ، وجاءت في سطور الكتب دون ما صنع المهاجرون الأولون ، وأثبتوا به أنّ الإيمان الناضج يحيل البشر إلى خلائق تباهي الملائكة سناء ونضارة . إنّ المسلمين - بإذن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - هرعوا من مكة وغيرها إلى ( يثرب ) يحدوهم اليقين ، وترفع رؤوسهم الثقة . ليست الهجرة انتقال موظّف من بلد قريب إلى بلد ناء ، ولا ارتحال طالب قوت من أرض مجدبة إلى أرض مخصبة . . إنها إكراه رجل امن في سربه ، ممتدّ الجذور في مكانه ، على إهدار مصالحه ، وتضحية أمواله ، والنجاة بشخصه فحسب ، وإشعاره - وهو يصفّي مركزه - بأنه مستباح منهوب ، قد يهلك في أوائل الطريق أو نهايتها ، وبأنّه يسير نحو مستقبل مبهم ، ولا يدري ما يتمخّض عنه من قلاقل وأحزان ، ولو كان الأمر مغامرة فرد بنفسه لقيل : مغامر طيّاش ، فكيف وهو ينطلق في طول البلاد وعرضها ، يحمل أهله وولده ؟ ! وكيف وهو بذلك رضيّ الضمير ، وضّاء الوجه ؟ ! . إنّه الإيمان ، الذي يزن الجبال ولا يطيش ! وإيمان بمن ؟ ! باللّه الذي له ما في السماوات وما في الأرض ، وله الحمد في الأولى والآخرة ، وهو الحكيم الخبير . هذه الصّعاب لا يطيقها إلا مؤمن ، أما الهيّاب الخوّار القلق ، فما يستطيع شيئا من ذلك ، إنّه من أولئك الذين قال اللّه فيهم : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ [ النساء : 66 ] . أما الرجال الذين التقوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم في مكة ، وقبسوا منه أنوار الهدى ، وتواصوا بالحقّ والصبر ، فإنهم نفروا خفافا ساعة قيل لهم : هاجروا إلى حيث تعزّون الإسلام ، وتؤمّنون مستقبله .