محمد الغزالي
161
فقه السيرة ( الغزالي )
وأمرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يخرجوا منهم اثني عشر نقيبا ، يكونون على قومهم بما فيهم ، فأخرجوا منهم النقباء ، تسعة من ( الخزرج ) ، وثلاثة من ( الأوس ) « 1 » ، فقال لهم رسول اللّه عليه الصلاة والسلام : « أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم وأنا كفيل على قومي » . تلكم بيعة العقبة ، وما أبرم فيها من مواثيق ، وما دار فيها من محاورات . . . إنّ روح اليقين والفداء والاستبسال سادت هذا الجمع ، وتمشّت في كلّ كلمة قيلت ، وبدا أنّ العواطف الفائرة ليست واحدها التي توجّه الحديث ، أو تملي العهود ، كلا ، فإنّ حساب المستقبل روجع مع حساب اليوم ، والمغارم المتوقعة نظر إليها قبل المغانم الموهومة . مغانم ؟ ! أين موضوع المغانم في هذه البيعة ؟ ! لقد قام الأمر كلّه على التجرّد المحض ، والبذل الخالص . هؤلاء السبعون مثل لانتشار الإسلام ، عن طريق الفكر الحرّ والاقتناع الخالص . . . فقد جاؤوا من يثرب مؤمنين أشدّ الإيمان ، وملبّين داعي التضحية ، مع أنّ معرفتهم بالنبي صلى اللّه عليه وسلم كانت لمحة عابرة ؛ غبرت عليها الأيام ، وكان الظن بها أن تزول . لكننا لا يجوز أن ننسى مصدر هذه الطاقة المتأجّجة من الشجاعة والثقة ؛ إنّه القران ! ! لئن كان الأنصار قبل بيعتهم الكبرى لم يصحبوا الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلا لماما ؛ فإن الوحي المشعّ من السماء أضاء لهم الطريق ، وأوضح الغاية . لقد نزل بمكة قريب من نصف القران ، سال على ألسنة الحفّاظ ، وتداولته صحائف السفرة ، الكرام البررة ، والقران النازل بمكة صوّر جزاء الآخرة رأي
--> ( 1 ) حديث صحيح ، رواه ابن إسحاق في المغازي : 1 / 273 - 276 ، عن ابن هشام ؛ وأحمد : 3 / 460 - 462 ؛ وابن جرير في تاريخه : 2 / 90 - 93 ، من طريق ابن إسحاق ، قال : حدثني معبد بن كعب بن مالك بن أبي كعب بن القين : أن أخاه عبد اللّه بن كعب وكان من أعلم الأنصار - حدّثه : إنّ أباه كعبا حدثه ، وهذا سند صحيح ، وصححه ابن حبان كما في ( الفتح : 7 / 475 ) . قلت : وأما قوله في اخر القصة : « فقال لهم الرسول : أنتم . . . » فأخرجه ابن إسحاق : 1 / 277 ، عن عبد اللّه بن أبي بكر مرسلا ، فهو ضعيف ؛ ورواه ابن جرير : 2 / 93 ، من طريق ابن إسحاق .