محمد الغزالي
162
فقه السيرة ( الغزالي )
العين ، فأنت توشك أن تمدّ يدك تقطف من أثمار الجنة ، ويستطيع الأعرابيّ المتعشّق للحق أن ينتقل في لحظة فداء من رمضاء الجزيرة إلى أنهار النعيم والرحيق المختوم ! . وحكى القران أخبار الأوّلين ، وكيف أخلص المؤمنون للّه ، فنجوا مع رسلهم ، وكيف طغى الكفار ، وأسكرهم الإمهال ، فتعنّتوا وتجبّروا ، ثم حلّ العدل الإلهي ، فذهب الظالمون بددا ، وتركوا وراءهم دنيا مدبرة ، ودورا خربة : فأدبروا ووجوه الأرض تلعنهم * كباطل من جلال الحقّ منهزم . . ! ! ثم إنّ الرسول صلى اللّه عليه وسلم جعل من هذا الإيمان بالحقّ رباطا ، يعقد من تلقاء نفسه صلة الحب والتناصر بين أشتاب المؤمنين في المشرق والمغرب . فالمسلم في المدينة - وإن لم ير أخاه المستضعف في مكة - يحنو عليه ، ويتعصّب له ، ويغضب من ظالمه ، ويقاتل دونه ، وذلك ما استقدم الأنصار من يثرب ؛ تجيش في حناياهم مشاعر الولاء لمن أحبوهم بالغيب في ذات اللّه . عن أبي مالك الأشعري : أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « يا أيها الناس ! اسمعوا واعقلوا ، واعلموا أنّ للّه عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء ، يغبطهم النبيّون والشهداء على منازلهم ، وقربهم من اللّه » . فجثا رجل من الأعراب من قاصية النّاس ، وألوى بيده إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : يا رسول اللّه ! ناس من الناس ، ليسوا بأنبياء ولا شهداء ، يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم من اللّه ؟ ! انعتهم لنا ، جلّهم لنا - يعني : صفهم لنا - فسرّ وجه النبي صلى اللّه عليه وسلم بسؤال الأعرابي ، وقال : « هم ناس من أفناء الناس ، ونوازع القبائل ، لم تصل بينهم أرحام متقاربة ، تحابّوا في اللّه ، وتصافوا ، يضع اللّه لهم يوم القيامة منابر من نور ، فيجلسون عليها ، فيجعل وجوههم نورا ، وثيابهم نورا ، يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون ، وهم أولياء اللّه ، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون » « 1 » .
--> ( 1 ) حديث حسن ، أخرجه الإمام أحمد : 5 / 343 ، من طريق شهر بن حوشب ، عن عبد الرحمن بن غنم ، عن أبي مالك الأشعري . وشهر فيه ضعف . وقال المنذري ( 4 / 48 ) : « رواه أحمد وأبو يعلى بإسناد حسن ، والحاكم ، وقال : صحيح الإسناد » قلت : ولم أجده في مستدرك الحاكم من حديث أبي مالك ؛ وإنما أخرجه ( 4 / 170 ) من حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما بنحوه ، وقال : صحيح الإسناد ، ووافقه الذهبي ، وهو كما قال ، فهذا شاهد قويّ لحديث أبي مالك .