محمد الغزالي

160

فقه السيرة ( الغزالي )

وعن كعب بن مالك : نمنا تلك الليلة - ليلة العقبة - مع قومنا في رحالنا ، حتى إذا مضى ثلث الليل ، خرجنا من رحالنا لميعاد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، نتسلّل تسلّل القطا مستخفين ، حتى اجتمعنا في الشّعب عند العقبة ، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ، ومعنا امرأتان من نسائنا : نسيبة بنت كعب ، وأسماء بنت عمرو بن عدي . فلما اجتمعنا في الشّعب ننتظر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب ، وهو يومئذ على دين قومه ، إلا أنّه أحبّ أن يحضر أمر ابن أخيه ، ويستوثق له ، فلمّا جلس كان أول متكلّم ، قال : يا معشر الخزرج « 1 » ! إنّ محمدا منا حيث قد علمتم ، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه ، فهو في عزّة من قومه ، ومنعة في بلده ، وإنّه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم ، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ، ومانعوه ممن خالفه ، فأنتم وما تحملتم من ذلك ! ! وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم ، فمن الان فدعوه ، فإنّه في عزة ومنعة من قومه وبلده . . . قال كعب : فقلنا له : قد سمعنا ما قلت ، فتكلّم يا رسول اللّه ! فخذ لنفسك وربك ما أحببت ، فتكلّم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فتلا القران ، ودعا إلى اللّه ، ورغّب في الإسلام ، ثم قال : « أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم » . قال كعب : فأخذ البراء بن معرور بيده ، وقال : نعم ، فوالذي بعثك بالحق لنمنعنّك مما نمنع أزرنا ، فبايعنا يا رسول اللّه ، فنحن - واللّه - أبناء الحروب ، ورثناها كابرا عن كابر ، فاعترض هذا القول - والبراء يكلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - أبو الهيثم بن التيهان ، فقال : يا رسول اللّه ! إنّ بيننا وبين الرجال - يعني : اليهود - حبالا وإنّا قاطعوها ، فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك اللّه أن ترجع إلى قومك ، وتدعنا ؟ قال : فتبسّم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم قال : « بل الدم الدم ، والهدم الهدم ، أنا منكم وأنتم مني ، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم » .

--> - الإسناد ، ووافقه الذهبي ، وقال الحافظ ابن كثير ( 3 / 160 ) من البداية : « وهذا إسناد جيّد على شرط مسلم » ، وقال الحافظ في الفتح ( 7 / 177 ) : « رواه أحمد بإسناد حسن وصحّحه الحاكم وابن حبان » قلت : وفيه علة . وهي عنعنة أبي الزبير ، وكان مدلسا ، وليس هو من رواية الليث بن سعد عنه ؛ فلعلّ تصحيحه أو تحسينه بالنظر لشواهده ، واللّه أعلم . ( 1 ) يقصد أهل يثرب جميعا من ( أوس ) و ( خزرج ) .