محمد الغزالي

143

فقه السيرة ( الغزالي )

سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى ( 21 ) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى ( 22 ) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى ( 23 ) [ طه ] . فلمّا ملأ قلبه إعجابا بمشاهد هذه الآيات الكبرى ، قال له بعد : اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى ( 17 ) . . . [ النازعات ] . وقد علمت أنّ ثمرة الإسراء والمعراج اطلاع اللّه نبيّه على هذه الآيات الكبرى ، وربّما تقول : إنّ ذلك حدث بعد الإرسال إليه بقريب من اثني عشر عاما ، على عكس ما وقع لموسى ! وهذا حق ، وسرّه ما أسلفنا بيانه من أنّ الخوارق في سير المرسلين الأولين قصد بها قهر الأمم على الاقتناع بصدق النبوة ؛ فهي تدعيم لجانبهم أمام اتّهام الخصوم لهم بالادّعاء ، وسيرة محمد صلى اللّه عليه وسلم فوق هذا المستوى . فقد تكفّل القران الكريم بإقناع أولي النهى من أول يوم ، وجاءت الخوارق في طريق الرسول صلى اللّه عليه وسلم ضربا من التكريم لشخصه ، والإيناس له ، غير معكرة ، ولا معطلة للمنهج العقلي العادي الذي اشترعه القران « 1 » . وقد اقترح المشركون على النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يرقى في السماء ، فجاء الجواب من عند اللّه : قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا [ الإسراء : 63 ] . فلمّا رقي في السماء بعد ، لم يذكر قط أن ذلك ردّ على التحدي ، أو إجابة على الاقتراح السابق ؛ بل كان الأمر - كما قلنا - محض تكريم ، ومزيد إعلام من اللّه لعبده . إكمال البناء : وفي قصّة الإسراء والمعراج تلمح أواصر القربى بين الأنبياء كافة ، وهذا المعنى من أصول الإسلام : آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ( 285 ) [ البقرة ] . والتحيات المتبادلة بين النبي صلى اللّه عليه وسلم وإخوته السابقين توثّق هذه الاصرة .

--> ( 1 ) انظر كتابنا : عقيدة المسلم ، ص 193 ، الطبعة العاشرة ، دار القلم - دمشق .