محمد الغزالي
144
فقه السيرة ( الغزالي )
ففي كلّ سماء أحلّ اللّه فيها أحد رسله ، كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يستقبل فيها بهذه الكلمة : مرحبا بالأخ الصالح ، والنبيّ الصالح ! . والخلاف بين الأنبياء وهم صنعته الأمم الجائرة عن السبيل السويّ ، أو بالأحرى صنعه الكهان والمتاجرون بالأديان . أمّا محمّد صلى اللّه عليه وسلم فقد أظهر أنّه مرسل لتكملة البناء الذي تعهّده من سبقوه ، ومنع الزلازل من تصديعه ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتا ، فأحسنه ، وأجمله ، إلّا موضع لبنة من زاوية من زواياه ، فجعل الناس يطوفون به ، ويعجبون له ! ويقولون : هلّا وضعت هذه اللبنة ؟ ! فأنا تلك اللبنة ، وأنا خاتم النبيين » « 1 » . والأديان المعتمدة على الوحي السماوي معروفة ، وليس منها - بداهة - ما اصطنعه الناس لأنفسهم من أوثان وطقوس كالبرهمية ، والبوذية ، وغيرهما . وليس منها كذلك ما ابتدع - أخيرا - من نحل احتضنها الاستعمار الغربي ، وكثر الأنصار حولها ؛ ليشدّد الخناق على مقاتل الشرق ، ويعوق المسلمين الأحرار عن حطم قيوده ، وإنقاذ عبيده ، وذلك كالبهائية والقاديانية . ومن الممكن - لو خلصت النيّات ونشد الحق - أن توضع أسس عادلة لواحدة دينية تقوم على احترام المبادئ المشتركة « 2 » ، وإبعاد الهوى عن استغلال الفروق الأخرى ، إلى أن تزول على الزمن ، أو تنكسر حدتها . والإسلام الذي يعدّ تعاليمه امتدادا للنبوات الأولى ، ولبنة مضافة إلى بنائها العتيد أول من يرحب بهذا الاتجاه ويزكيه .
--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه البخاري : 6 / 437 ؛ ومسلم : 7 / 64 - 65 ، من حديث أبي هريرة . ( 2 ) إن كانت هذه المبادئ المشتركة هي قوله تعالى : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ . . . [ آل عمران : 64 ] ؛ فقد سبق أن دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أهل الكتاب إلى ذلك . وإن كانت هذه المبادئ هي ما سمّي في مؤتمر برنستون التبشيري بالصعيد المشترك ؛ وهي أن يدعو المسلمون والنصارى واليهود إلى ما اتفقوا عليه ، ويدعوا ما اختلفوا فيه ؛ فهو ردة عن دين اللّه تعالى ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أنا بريء من المسلم والمشرك تتراءى نارهما » . ( ن ) .