محمد الغزالي
142
فقه السيرة ( الغزالي )
وعشرين عاما ، وبذلك كانا علاجا مسح متاعب الماضي ، ووضع بذور النجاح للمستقبل . إنّ رؤية طرف من آيات اللّه الكبرى في ملكوت السماوات والأرض له أثره الحاسم في توهين كيد الكافرين ، وتصغير جموعهم ، ومعرفة عقباهم . وقد عرف محمّد صلى اللّه عليه وسلم في هذه الرحلة أنّ رسالته ستنساح في الأرض ، وتتوطّن الأودية الخصبة في النيل والفرات ، وتنتزع هذه البقاع من مجوسية الفرس وتثليث الروم . بل إنّ أهل هذه الأودية سيكونون حملة الإسلام جيلا في أعقاب جيل ؛ وهذا معنى رؤية النيل والفرات في الجنة ، وليس أنّ مياه النهرين تنبع من الجنة كما يظن السذّج والبله . لقد روى الترمذيّ مثلا أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا أعطي أحدكم الريحان فلا يردّه ، فإنّه خرج من الجنة » « 1 » ؛ فهل ذلك يدلّ على أنّ الريحان من الجنة ، ونحن نقطف أزهاره من الحقول والحدائق ؟ ! . حكمة الإسراء : ذلك واللّه عز وجلّ يتيح لرسله فرص الاطّلاع على المظاهر الكبرى لقدرته ، حتى يملأ قلوبهم ثقة فيه ، واستنادا إليه ، إذ يواجهون قوى الكفار المتألّبة ، ويهاجمون سلطانهم القائم . فقبل أن يرسل اللّه موسى شاء أن يريه عجائب قدرته ، فأمره أن يلقي عصاه ، قال : أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى ( 20 ) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ
--> ( 1 ) حديث ضعيف ، أخرجه الترمذي : 3 / 18 ، من طريق حنان عن أبي عثمان النهدي مرسلا ، وهذا مع إرساله فيه جهالة حنان هذا ، ولم يوثقه غير ابن حبان ، ولو صح الحديث لكان اللائق حمله على ظاهره وهو أن الريحان أصله من الجنة ، ولا يلزم منه أن ما نقطفه منه من الحقول هو من الجنة أيضا كما ظن المؤلف . ألا ترى أنه إذا قال إنسان لماء في كأس : هذا من السماء ؛ لكان صادقا ، وكان قصده معروفا ؟ فليتأمل . ونحو هذا يقال فيما صح عنه صلى اللّه عليه وسلم : « إن أربعة أنهار من الجنة » أي : أصلها من الجنة ، لا أنها تنبع الان منها . قلت : ألا ترى أنا نقول : إن الإنسان خلق من طين ، وإن الذي خلق من طين هو أصل الإنسان ( آدم ) ، أما أفراد هذا الجنس فقد توالدوا من ماء مهين . ( ن ) .