محمد الغزالي
141
فقه السيرة ( الغزالي )
المسجد الأقصى ثالث الحرمين في الاسلام ، وأن ينتقل إليه الرسول صلى اللّه عليه وسلم في إسرائه ، فيكون هذا الانتقال احتراما للإيمان الذي درج - قديما - في رحابه . . ثم يجمع اللّه المرسلين السابقين من حملة الهداية في هذه الأرض وما حولها ؛ ليستقبلوا صاحب الرسالة الخاتمة ، إنّ النبوات يصدّق بعضها بعضا ، ويمهّد السابق منها للّاحق ، وقد أخذ اللّه الميثاق على أنبياء بني إسرائيل بذلك : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 81 ) [ آل عمران ] . وفي السنة الصحيحة أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم صلّى بإخوانه الأنبياء ركعتين في المسجد الأقصى ، فكانت هذه الإمامة إقرارا مبينا بأنّ الإسلام كلمة اللّه الأخيرة إلى خلقه ، أخذت تمامها على يد محمد صلى اللّه عليه وسلم بعد أن وطّأ لها العباد الصالحون من رسل اللّه الأولين . والكشف عن منزلة محمد صلى اللّه عليه وسلم ودينه ليس مدحا يساق في حفل تكريم ، بل هو بيان حقيقة مقرّرة في عالم الهداية منذ تولّت السماء إرشاد الأرض ، ولكنه جاء في إبّانه المناسب . فإنّ جهاد الدعوة الذي حمله محمد صلى اللّه عليه وسلم على كواهله ، عرّضه لعواصف عاتية من البغضاء والافتراء ، ومزّق شمل أتباعه ، فما ذاقوا - مذ آمنوا به - راحة الركون إلى الأهل والمال ، وكان اخر العهد بمشاق الدعوة ، طرد ( ثقيف ) له ، ثم دخوله البلد الحرام في جوار مشرك ، إنّ هوانه على الناس - منذ دعاهم إلى اللّه - جعله يجأر إلى ربّ الناس شاكيا راجيا . فمن تطمين اللّه له ، ومن نعمائه عليه : أن يهيّئ له هذه الرحلة السماوية ؛ لتمسّ فؤاده المعنّى ببرد الراحة ، وليشعر أنه بعين اللّه مذ قام يواحده ويعبده ، ويعلّم البشر توحيده وعبادته . كان يقول : « إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي » « 1 » ، فالليلة علم أنّ حظّه من رضوان اللّه جزيل ، وأن مكانته بين المصطفين الأخيار موطّدة مقدمة . إنّ الإسراء والمعراج يقعان قريبا من منتصف فترة الرسالة التي مكثت ثلاثة
--> ( 1 ) تقدّم في خبر الطائف أنه حديث ضعيف .