محمد الغزالي

134

فقه السيرة ( الغزالي )

في الطائف ذهب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الطائف حيث تقطن ثقيف ، وهي تبعد عن مكة نحو الخمسين ميلا ، سارها محمد صلى اللّه عليه وسلم على قدميه جيئة وذهابا ، فلمّا انتهى إليها قصد إلى نفر من رجالاتها ، الذين ينتهي إليهم أمرها ، ثم كلّمهم في الإسلام ، ودعاهم إلى اللّه ، فردوه - جميعا - ردّا منكرا ، وأغلظوا له الجواب ، ومكث عشرة أيام ، يتردّد على منازلهم دون جدوى . فلمّا يئس الرسول عليه الصلاة والسلام من خيرهم ، قال لهم : « إذا أبيتم ، فاكتموا عليّ ذلك » - كراهية أن يبلغ أهل مكة ، فتزداد عداوتهم وشماتتهم - لكنّ القوم كانوا أخسّ مما ينتظر ، قالوا له : اخرج من بلدنا ، وحرّشوا عليه الصبيان والرعاع ، فوقفوا له صفين يرمونه بالحجارة ، وزيد بن حارثة يحاول - عبثا - الدفاع عنه ، حتى شجّ في ذلك رأسه . وأصيب الرسول عليه الصلاة والسلام في أقدامه ، فسالت منها الدماء ، واضطره المطاردون إلى أن يلجأ إلى بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة ، حيث جلس في ظل كرمة يلتمس الراحة والأمن . وكان أصحاب البستان فيه ، فصرفوا الأوباش عنه ، واستوحش الرسول عليه الصلاة والسلام لهذا الحاضر المرير ، وثابت إلى نفسه ذكريات الأيّام التي عاناها مع أهل مكة ، إنه يجرّ وراءه سلسلة ثقيلة من الماسي المتلاحقة ، فهتف يقول : « اللهم إليك أشكو ضعف قوّتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس . . أنت أرحم الراحمين ، أنت ربّ المستضعفين ، وأنت ربّي . . إلى من تكلني ؟ ! إلى بعيد يتجهّمني ، أم إلى عدوّ ملّكته أمري ؟ ! إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي ، غير أنّ عافيتك هي أوسع لي . . ! ! . أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا