محمد الغزالي

122

فقه السيرة ( الغزالي )

إلى الحبشة ، وكانت هذه الهجرة الثانية أشق من سابقتها ، فقد تيقّظت لها قريش ، وقررت إحباطها ، بيد أن المسلمين كانوا أسرع ، فخرج منهم في هذا الفوج ثلاثة وثمانون رجلا وتسع عشرة امرأة ، ويسّر اللّه لهم السفر ، فانحازوا إلى نجاشي الحبشة . ووجدوا عنده ما يبغون من أمان وطيب جوار وكرم وفادة . والظاهر أنّ هذا النجاشيّ كان رجلا راشدا ، نظيف العقل ، حسن المعرفة للّه ، سليم الاعتقاد في عيسى عبد اللّه ورسوله عليه السّلام ، وكانت مرونة فكره سرّ المعاملة الجميلة التي وفّرها لأولئك اللاجئين إلى مملكته ، فارّين بدينهم من الفتن . عزّ على المشركين أن يجد المهاجرون مأمنا لأنفسهم ودينهم ، وأغرتهم كراهيتهم للإسلام أن يبعثوا إلى النجاشيّ وفدا منهم ، محمّلا بالهدايا والتّحف ، كي يحرم المسلمين ودّه ، ويطوي عنهم بشره . وكان الوفد من عمرو بن العاص ، وعبد اللّه بن أبي ربيعة - قبل أن يسلما - . واستعان الوفد على النجاشي برجال حاشيته ، بعد أن ساقوا إليهم الهدايا ، وزوّدوهم بالحجج التي يطرد بها أولئك المسلمون ! قالوا : إنّ ناسا من سفهائنا ، فارقوا دين قومهم ، ولم يدخلوا في دين الملك ، وجاؤوا بدين مبتدع ، لا نعرفه نحن ولا أنتم . . . واتفقوا معهم أن يشيروا على النجاشي بإقصائهم . فلما فوتح النجاشي في الأمر ، وأشير عليه بإبعاد القوم ، رأى ألابد من تمحيص القضية ، وسماع أطرافها جميعا . ثم أرسل إلى أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم فدعاهم ، فحضروا ، وقد أجمعوا على صدقه ، فيما ساءه وسرّه . وكان المتكلّم عنهم جعفر بن أبي طالب ، فقال لهم النجاشي : ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ، ولم تدخلوا في ديني ، ولا في دين أحد من الناس ؟ . فقال جعفر : أيها الملك ! كنّا أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القويّ منا الضعيف .