محمد الغزالي
123
فقه السيرة ( الغزالي )
حتى بعث اللّه إلينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه ، وأمانته وعفافه ، فدعانا لتوحيد اللّه ، وألانشرك به شيئا ، ونخلع ما كنّا نعبد من الأصنام ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكفّ عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش ، وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وأمرنا بالصلاة والصيام . . وعدّد عليه أمور الإسلام . قال جعفر : فامنا به ، وصدقناه ، وحرّمنا ما حرم علينا ، وحللنا ما أحل لنا ، فتعدّى علينا قومنا فعذّبونا ، وفتنونا عن ديننا ، ليردّونا إلى عبادة الأوثان ، فلما قهرونا وظلمونا ، وحالوا بيننا وبين ديننا ، خرجنا إلى بلادك ، واخترناك على من سواك ، ورجونا ألانظلم عندك . . . فقال النجاشيّ : هل معك ممّا جاء به عن اللّه شيء ؟ قال : نعم . فقرأ عليه صدرا من سورة مريم ، فبكى النجاشيّ وأساقفته ، وقال النجاشيّ : « إنّ هذا والذي جاء به عيسى يخرج من مشكاة واحدة ، انطلقا ، واللّه لا أسلمهم إليكما أبدا » يخاطب عمرو بن العاص وصاحبه - فخرجا ، وقال عمرو لعبد اللّه بن أبي ربيعة : واللّه لاتينّه غدا بما يبيد خضراءهم . فلما كان الغد قال للنجاشيّ : إنّ هؤلاء يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما . فأرسل النجاشيّ يسألهم عن قولهم في المسيح . فقال جعفر : نقول فيه الذي جاءنا به نبينا ، هو عبد اللّه ورسوله وروحه ، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول . فأخذ النجاشي عودا من الأرض وقال : ما عدا عيسى ما قلت قدر هذا العود « 1 » ، فنخرت بطارقته ! فقال : وإن نخرتم ! وقال للمسلمين : اذهبوا فأنتم آمنون ، ما أحبّ أنّ لي جبلا من ذهب ، وأنني اذيت رجلا منكم ! وردّ هدية قريش ، وقال : ما أخذ اللّه الرشوة مني حتى اخذها منكم ، ولا أطاع الناس فيّ حتى أطيعهم فيه « 2 » ، وأقام المسلمون عنده بخير دار .
--> ( 1 ) اختلف النصارى قديما في طبيعة المسيح على مذاهب شتى . وكان هناك مذهب يقوم على اعتباره بشرا مرسلا ، وليس إلها ولا ندا للّه . ولا يزال في الغرب المسيحي أناس يعتنقون هذا المذهب الموحّد ، ونعتقد أنّ نجاشيّ الحبشة على هذا الرأي . وإن كان بطارقة الكنيسة يستنكرونه أشدّ الاستنكار . ( 2 ) أخرج هذه القصة محمد بن إسحاق في المغازي : ( 1 / 211 - 213 ، من ابن هشام ) ؛ -