محمد الغزالي

121

فقه السيرة ( الغزالي )

. . . وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى ( 53 ) فَغَشَّاها ما غَشَّى ( 54 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى ( 55 ) هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى ( 56 ) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ ( 57 ) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ ( 58 ) أَ فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ( 59 ) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ ( 60 ) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ ( 61 ) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ( 62 ) [ النجم ] . كانت روعة الحقّ قد صدعت العناد في نفوس المستكبرين والمستهزئين ، فما تمالكوا أن يخرّوا للّه ساجدين ، مع غيرهم من المسلمين . فلما نكسوا على رؤوسهم ، وأحسوا أنّ جلال الإيمان لوى زمامهم ، ندموا على ما كان منهم ، وأحبّوا أن يعتذروا عنه ، بأنهم ما سجدوا مع محمد صلى اللّه عليه وسلم إلا لأن محمدا صلى اللّه عليه وسلم عطف على أصنامهم بكلمة تقدير « 1 » ! ( كذا ) ، وليس يستغرب هذا من قوم كانوا يؤلّفون النكت للضحك من المسلمين ، ولا يستحيي أحدهم - وهو ابن خال النبي عليه الصلاة والسلام - أن يقول له ساخرا : أما كلّمت اليوم من السماء يا محمد ؟ ! . وليس أسمج من اعتذار المشركين عن سجودهم إلا تصديق هذا الاعتذار ، وقد حاول المشركون أن ينشروا فريتهم هذه ليعكروا على الرسول عليه الصلاة والسلام ، ويشوّشوا على الوحي ، وليوهموا بأن محمدا صلى اللّه عليه وسلم في بعض أحيانه مال إليهم ، وهيهات ، فإن الحرب التي شنّها محمد صلى اللّه عليه وسلم على الوثنية لم تزدها الليالي إلا ضراما ، ولم تزده من عبيدها إلا خصاما . [ الهجرة الثانية إلى الحبشة ] : عاد من هاجر إلى الحبشة ليباغت بأن الاضطهاد الواقع على الإسلام أحدّ وأشدّ ، فدخل بعضهم مكة مستجيرا بمن يعرف من كبرائها ، وتوارى الآخرون ، لكن قريشا أبت إلا أن تنكّل بالقادمين ، وأن تغري سائر القبائل بمضاعفة الأذى للمسلمين ، فلم ير الرسول صلى اللّه عليه وسلم بدّا من أن يشير على أصحابه بالهجرة مرة أخرى

--> ( 1 ) أين الدليل النقلي على هذا الاعتذار ، وأنّ المشركين هم الذين اختلفوا فريتهم هذه وحاولوا نشرها ؟ مثل هذه الأمور لا بدّ لها من دليل منقول ، وما المانع أن تكون هذه الفرية حدثت من بعد ؟ ! وهذا هو الأقرب ، فإنها - أعني هذه الفرية - لم ترو بسند معتبر عن صحابي ، بل كل طرقها مرسلة لا يدرى من الذي حدّث بها ممن يمكن أن يدرك عصر النبوة والرسالة ، وقد فصّلت القول في بطلان هذه القصة من الوجهة الحديثية في كتابي ( نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق ) .