محمد الغزالي
12
فقه السيرة ( الغزالي )
خذ مثلا أول حديث حكم الأستاذ بتضعيفه : « أحبّوا اللّه لما يغذوكم به من نعمه ، وأحبّوني بحبّ اللّه » . قد يرى الأستاذ المحدّث أن تحسين الترمذي وتصحيح الحاكم لا تعويل عليهما في قبول هذا الحديث ، وله ذلك . بيد أني لم أجد في المطالبة بحب اللّه ورسوله صلى اللّه عليه وسلم ما يحملني على التوقّف فيه ، ولذلك أثبتّه وأنا مطمئنّ . وفي الوقت الذي فسحت فيه مكانا لهذا الأثر - على ما به - صددت عن إثبات رواية البخاري ومسلم مثلا للطريقة التي تمّت بها غزوة بني المصطلق . فإن رواية الصحيحين تشعر بأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم باغت القوم وهم غارّون « 1 » ما عرضت عليهم دعوة الإسلام ، ولا بدا من جانبهم نكوص ، ولا عرف من أحوالهم ما يقلق ! . وقتال يبدؤه المسلمون على هذا النحو مستنكر في منطق الإسلام ، مستبعد في سيرة رسوله صلى اللّه عليه وسلم . ومن ثمّ رفضت الاقتناع بأن الحرب قامت وانتهت على هذا النحو . وسكنت نفسي إلى السياق الذي رواه ابن جرير . . فهو على ضعفه - الذي كشفه الأستاذ الشيخ ناصر - يتفق مع قواعد الإسلام المتيقّنة ، أنه لا عدوان إلا على الظالمين . أما الغارّون الوادعون فإنّ اجتياحهم لا مساغ له . وحديث الصحيحين في هذا لا موضع له إلا أن يكون وصفا لمرحلة ثانية من القتال ، بأن يكون أخذ القوم عن غرّة جاء بعد ما وقعت الخصومة بينهم وبين المسلمين ، وأمسى كلا الفريقين يبيّت للاخر ، ويستعدّ للنيل منه . فانتهز المسلمون فرصة من عدوهم - والحرب خدعة - وأمكنهم الغلب عليهم وهم غارّون . وفي هذه الحالة لا بدّ من التمهيد لرواية البخاري ومسلم ، بكلام يشبه ما نقله ابن جرير ووهّنه فيه الشيخ ناصر .
--> ( 1 ) أخذهم على غرة .